الأربعاء، 17 ديسمبر 2008

لعبة الأحجام





ذات ليلة مجدبة من ليالي حياتنا المتلاشية، قرر فأر من الصنف السوداوي الشائع أن يضع حدا لحياة الذعر والذل هذه، وينهي قدر الضعف والعجز الذي سجن فيه من دون ذنب. كانت الخطوة المصيرية الأولى هي تحدي الرب ومخالفة تعالميه التي تنص على أن يتحدث كل كائن بلغته. و فأرنا إختار التحدث بلغة البشر عالما بأنه يتحمل وحده عواقب مثل هذه المغامرة المحرمة. مفهوم انها لحظة مخيفة وذهبية ، شبيهة بلحظات الذروة الجنسية. ففيها يختلط سحر مذاق الواقع بالرغبة في الاختفاء.
في ساعة مبكرة من صباح ذاك الشتاء ، خرج الفأر من جحره في غرفة المطبخ من دون مبالاة، مثل سكير يبحث عن علبة كبريت. وكانت العائلة تجلس الى مائدة الفطور بكسل وأمان...
قال الفأر : صباح الخير ...
عندها فقط اختلفت قواعد لعبة الخوف، وصار الفأر بحجم الديناصور...

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2008

تلك الإبتسامة المشؤومة



قفز الى ذهنه قول ( ينبغي حماية الجسد وليس الأفكار)* وهو جالس على مقعد مرحاض في أحد المطاعم الصينية. حدسَ أن ذهنه يريد حل اللغز : لماذا تلك الأبتسامة اللعينة حين إستيقظ صباحا. خرج من التواليت وطلب قدح شاي أخضر. كان قد غادر البيت مبكرا قبل نهوض زوجته وأبنته. من المطعم بعث الى الزوجة رسالة هاتفية كتب فيها أنه خرج للتمشي قليلا وسيعود بعد ساعة. هاهي الساعة تنقضي. تذكر أنها طلبت منه بالامس أن يشتري في يوم الأثنين مكنسة كهربائية جديدة. أنتبه أثناء ذلك الى عجوزتين جالستين في زاوية من المطعم وتحلان معا كلمات متقاطعة في جريدة. إحداهما تمسك القلم والثانية تفكر واضعة أصبعها على أنفها. البارحة تعطلت المكنسة الكهربائية أثناء تنظيفه غرفة الصغيرة. شاهد الآن أنعكاس أبتسامته في قدح الشاي والتي صارت بلون أخضر. أخذ يفكر بقضية الافكار والجسد وهو يراقب المرأتين. من المحتمل أنه شاهد، قبل دخوله المطعم، مجموعة من الاطفال يقفون عند أشارة المرور منتظرين الضوء الاخضر. وقفوا في صفين، وكانت هنالك معلمتان. واحدة في المقدمة و أخرى في المؤخرة . خمن عدد الصغار : 12 تلميذا من فصيل الأمل القادم - حرك ذهنه ذيله فرحا. سوف لن يكونوا سوى أطباء ومهندسين وقتلة وشعراء وكحولين وعاطلين عن العمل. أثنا عشر طفلا هما الغلاف الجديد لحكاية قديمة. تقدم ذهنه ببطء وأخذ يشم جيفة ميت. هؤلاء هم ابناؤنا وزوار قبورنا- قال. إثنتا عشرة فكرة تعبر الشارع مرحة ً نشطة. إنهم طاحونة المستقبل. نهض وتوجه الى الحمام مرة أخرى. غسل وجهه للمرة العاشرة لكن الأبتسامة مازالت عالقة فيه. لو لم يكن قد تعرض من قبل الى نكبات فنتازية ، لقال وهو يحدق في المرآة كأي رجل عاقل : غير معقول ! لكنه أعتاد على المفاجأت و تجاربه علمته عدم إضاعة الوقت في البحث عن أسباب مآزقه بل البحث عن مخرج الطواريء. خمن ذهنه أن الابتسامة كانت قد أنتقلت الى الرجل من حلم سابق. كان حلما سينمائيا ساذجا لاصلة له بذاكرته أبدا : قبلها من شفتيها. حاول صعود السلم لكنه جلس عند أوله. إبتسم وأسند رأسه الى الجدار. نظفت أسنانها في المطبخ. نادته بصوت مرتفع كي يأتي بشرشف السرير. أرادت أن تغسله. لكنه كان ينزل حينها الى بئر مثل ريشة تترنح في الهواء. كان بعيدا عن الضوء ، ميتا لم يسمع نداءها الاخير. المرأة ماتت بعد حادثة السلم ، بأربع سنوات. وجدوها نائمة على مائدة المطبخ وفي يدها عود تنظيف الاسنان وعليه قطعة لحم بحجم نملة.
هل نقول إن أشعة الشمس كانت تدخل من النافذة أم أن المطر كان يضرب زجاج النافذة بعد ان نظفت المرأة أسنانها جيدا. الحلم نفسه يتكرر كل ليلة. هناك حاجة الى شيء من تلك الموسيقى الكلاسية. أين أختفت حكايات الموت الصغيرة تلك. يالها من سذاجة أبدية في قصص موتنا الجميل. تلك القصص الصغيرة المدببة مثل عود تنظيف الاسنان. لم أبتكرنا كل هذه الاشكال المعقدة لحكايات الجثة. كان ظل عملاق يطرح هذه الأسئلة على الرجل في الحلم.
في الصباح أفاق الرجل مبتسما. رأى بعدها إبتسامته في المرآة. يبدو انها ظلت عالقة بعد الحلم. قال مرة في حوار غير مألوف مع أحد اعضاء جمعية الدفاع عن المنحوسين:
ـ لم أرد أن تراني زوجتي وأبنتي وأنا أبتسم بغباء ، ومن دون سبب. كانت أبتسامة تافهة. كانت عريضة لكنها لم تكشف عن أسناني المهشمة. كانت شفتاي مضمومتين مثل شفتي المهرج. دعكت وجهي بالماء والصابون، لكن الأبتسامة ظلت عالقة. غسلت أسناني ثلاث مرات ، لكنها ظلت ملتصقة مثل حبر ثابت. فكرت : قد تزول مع مطلع النهار وكما يذوب الثلج في صباح مشمس. لاأدري كيف خطرت ببالي مثل هذه الافكار. ثم فجأة شعرت بحر شديد رغم أن الفصل كان شتاء. أرتديت قميصا رياضيا خفيفا، كان مرسوما على ظهره غراب أسود يقف على كرة للعبة السلة رسمت عليها خارطة العالم. أرتديت سروال جينز نظيفا ثم معطفي الشتوي الأسود، وعقدت العزم على حل لغز تلك الابتسامة. الزوجة والبنت تحملتا الكثير. خوفي عليهما من الجنون ، فكوارثي متواصلة في هذا العالم . أنا لست منحوسا ، إذن كفوا عن لصق هذا النعت السخيف بي.
كان الثلج يهبط متراقصا. كان رائعا وجميلا. لأول مرة كانت السماء بمثل هذا السخاء، حين تخلت لي عن كل هذه الجواهر.أحاسيس مثل هذه كنت قد عرفتها من قبل. تستفيق وتشم صباحا ثم تفكر : الحياة مازالت تلائمني. انها لحظات حزن مقنعة تتخفى في أثواب وروائح شتى. أنت تسكر ، فتبكي ، وتظن أنك أزحت حجرا كبيرا كان يسد مجاري يومك الذي كان قد انقضى بضربة موجعة. مر بقربي رجل لا أعرفه يرتدي معطفا شتويا ثقيلا ويلف رقبته بوشاح صوفي، وعلى رأسه قبعة سوداء تكومت فوقها ندف الثلج. ظل ينظر ويلتفت مبتسما إلي عندما سار في الأتجاه المعاكس. أردت ان أبادله الابتسامة. مررت أصابعي على شفتي. إذن لم أكن بحاجة الى أبتسامة جديدة. أكتفيت بالألتفات اليه بسرعة لأقدم له بالمقابل أبتسامتي الحلمية تلك.
دخلت الى مطعم صيني لأحتساء الشاي والتأكد في المرآة من الابتسامة. شاهدت عجوزتين سحاقيتين تحلان الكلمات المتقاطعة. وأرسلت الى زوجتي رسالة ثانية عبر هاتفي أخبرها ،بأنني سأتأخر قليلا في العودة، وسأذهب مباشرة الى الاسواق لشراء المكنسة الكهربائية. كان علي أن أعثر على حل للغز الأبتسامة اللعينة. فكرت في الذهاب الى المستشفى. ربما انا مريض وما الابتسامة إلا جرس انذار. لكن بدل ذلك وجدت نفسي داخل دار السينما وأقطع تذكرة. كنت أشعر بحمى مقرفة تنتشر في الجسم. كانت هناك فتيات تحت ملصق كبير لفيلم الأسبوع المقبل. أبرز ما فيه أنياب دراكولا والدم الذي يقطر من زاويتي فمه. كانت هناك إبتسامة على وجه هذا الوحش. الفتيات جلسن كما لو أنهن في الصف الدراسي.كلهن ألقين علي نظرات جامدة، يشوبها شيء من الخوف. أبتسمن بعدها على التوالي من اليمين الى اليسار. كنت أجلس أمامهن. أدرت لهن ظهري ، بعد أن خلعت معطفي، كي يشاهدن بوضوح كرة السلة والغراب. لاتسألني لم فعلت ذلك. هل لديك أنت جواب على الأبتسامة اللعينة هذه ؟ أردت ان أكون ودودا مع الفتيات واخذت أكتفي بهز رأسي لهن على التوالي من اليسار الى اليمين . ثم تأكدت في مرايا صالة الانتظار من ملامح وجهي. أعترف باني كنت قانعا الى حد ما بأبتسامتي الجديدة هذه. على الأقل لست مرغما كالآخرين على شد عضلات الوجه من أجل الإبتسام. نسيت ان اقول لك ان احدى العجوزين السحاقيتين قالت لي بأن احتفظ بهذه الأبتسامة الجميلة، فالفنلنديون في الشتاء متجهمين وملامحهم كئيبة تزيد من عتمة الشتاء ووحشته.
كان فيلما بكائيا مقرفا متسارع الأيقاع. أحرقت البطلة بيتها على زوجها وأطفالها. وهي تصرخ الآن وتنحب مثل مجنونة أمام النيران، والجيران حولها يضعون أصابعهم على أفواههم كأنهم على وشك التقيؤ. السيدة الأنيقة التي تجلس قربي كان وجهها غارقا بالدموع. ألتفتت ببطء صوبي ثم تمتمت بهلع : خنزير! ألتفت إليها وانا غير مصدّق ، ثم إلتفتت لكن هذه المرة بوقاحة وهي غارقة بدموعها التي شوّهت ماكياجها.أخذت تنقل بصرها مثل المخبولة بين مصيبة بطلة الفيلم وبين وجهي البشوش. كان يبدو أنها مشمئزة تريد ان تصفعني بسبب أبتسامتي. أردت ان اشرح لها الأمر: انا لا أبتسم على ماحصل للمرأة وبيتها ، سيدتي ! ( رغم انها قحبة مثلك ) أنا أفقت اليوم وهذه الابتسامة قد فرضت عليّ !
تجاهلت المرأة، وحاولت التظاهر بالشفقة على حال إمرأة الفيلم التي أخذت مسدسا من حزامها واطلقت النار على رأسها وسط جموع الناس ، الذين سرعان ما تفرقوا عندما وصلت سيارات الاطفاء.
حين اضيئت أنوار الصالة، نهضت السيدة الأنيقة وشتمتني هذه المرة بصوت عال: حيوان ، ابن عاهرة !
ألتفت الجمهور ناحيتنا. لكنهم لم يفعلوا شيئا سوى أنهم ظلوا يبتسمون وهم يحدقون في وجهي. هل يبتسمون من الشتمية أم من الغراب فوق الكرة أم لأنني جابهت شتائم المرأة بأبتسامتي الباردة ؟ لابد من التخلص باسرع ما يمكن من هذه الأبتسامة. أتصلت بي زوجتي ، لكني كذبت حين قلت لها بأنني ما زلت ابحث عن مكنسة كهربائية مناسبة.
أستمر الثلج بالهطول وزاد من تألقه حين هبت ريح خفيفة وتركته يهطل منحرفا. شعرت بالخوف والأرتباك عندما تصورت أن هذه الإبتسامة قد تظهر أثناء وقوع إحدى المصائب. ماذا لو دهست حافلة ٌ أحدهم الآن وخرجت مصارينه من مؤخرته. أكيد سيكون هناك جمهور مرعوب. ماذا لو انتبهوا الى ابتسامتي وأنا اشاركهم هذه الفرجة المجانية. من دون شك سيشبعونني ضربا. كيف سأشرح لهم أن لا علاقة لإبتسامتي بما حدث. او من سيحتمل ان تبتسم في وجهه مثلا، وطفله الرضيع بين يديه يموت جوعا. يمكنك ان تفسر له بهدوء بأنك تبتسم ساخرا من الحياة التي أخرجت هذا الطفل من دون سبب ولتأخذه برفسة في المعدة ومن دون سبب ايضا. لكن ألا يطعنك أب الطفل وأمه بالسكين ويمزقان هذا الحيوان غليظ القلب. هرولت بأتجاه بار قريب. ينبغي حماية الجسد وليس الأفكار. ان تفقد السيطرة على التحكم بالايماءات الجماعية المتوارثة التي توحدنا في الفزع والسعادة !
شعرت بمغص في المعدة حين دخلت البار الذي كان مزدحما بصورة مريبة. الفنلنديون مبكرون جدا في كرع الكحول. دخولي الى البار صار حفلة من الأبتسامات، لكنها تبددت تدريجيا وتحولت الى ضحكات وتعليقات متفرقة كانت بالأحرى شتائم سريعة. اول الأمر لم افهم سبب تردد النادل عندما طلبت بيرة. قال بعدها :عليك ان تحتسي بيرتك بسرعة وتنصرف. ألتفت بدوري ناحية الزبائن غاضبا ، على مثل هذا الأستقبال غير الودي. اي بار هذا ؟ قلتها بصوت عال ، لكنني كما تعرفون كنت أبتسم رغما عني. ربما أصابهم الظن باني مجرد حيوان أليف تجاوز حصته المقررة. كان هناك أربعة شبان حليقو الرؤوس أرتدوا المعاطف الجلدية السوداء. عندها فقط، أدركت حينها أنه بار للنازيين الجدد. كانوا يسخرون من جرأتي أو حماقتي. كانوا يلتفتون ناحيتي بين كأس وآخرى مطلقين النكات والشتائم القبيحة. ثم وقف أحدهم وأخرج قضيبه ولوح به في وجهي. ثم أنفجر الجميع بالضحك ومعهم النادل. فكرت بأن أتمالك نفسي وأشرب البيرة سريعا ثم الهرب من هذه المصيدة القذرة. لكني كنت غبيا : تصنعت الشجاعة واللامبالاة. جلست هناك وكأنني قبطان يبتسم في سفينته. لكن النادل ، أبن القحبة هذا، طلب مني مغادرة المكان فورا خشية المشاكل. بالطبع سررت لهذا الطرد.وهكذا تركت بار النازيين مثل فأر مفزوع. اليوم هو الأحد، وانا كنت أظنه يوم الأثنين. تذكرت ذلك اخيرا ، وفكرت بأن زوجتي غاضبة حين كانت تسمعني وتقرأ رسائلي الهاتفية. أي أسواق هذه التي تفتح أبوابها يوم الأحد. والآن اي كذبة أخرى يمكن ان اختلق للتستر على كذبتي الاولى. فكرت أن أعود الى البيت وأعترف لزوجتي بكل شئ. ستكون الأبتسامة الدليل على صدقي. لكن مشاعري كانت متضاربة. بعدها دخلت الى دكان صغير واشتريت ست زجاجات بيرة وذهبت الى الحديقة العامة. هل حقا أنا سيء الحظ ، أم انني خلقت عن طريق الخطأ.
كانت الشوارع فارغة ، والريح تعبث بها، وتحدث ضجيجا حين تعبث بالأشياء وتريد زحزحتها من مكانها. قلبت الريح لافتة أسعار كانت مركونة قرب مطعم مغلق. ثم جاءت بعلبة كارتونية كبيرة كانت تتطاير كأنها نصف جسد ممزق. كانت هناك علب سجائر فارغة تتراكض. دندنتُ بلحن لاشعوريا. أردت الغناء لكني لم أعرف أي أغنية سأختارها. لم تكن في رأسي أي كلمات لأي أغنية. داهمني فزع خفيف: هل شفطت كلمات الاغاني من ذاكرتي الى هذه الدرجة. لم أقدر إلا على أبتكار بعض الالحان الصغيرة. واصلت الدندنة على أمل أن أعثر على كلمة بعد قليل. لكن دموعا غبية نزلت بدل الكلمات. جاءت الريح بكيس أبيض فارغ مر سريعا قرب اذني وأطفأ اللحن. لقد أفزعني. دار الكيس حول نفسه عند تقاطع الشارع وكأنه يريد أن يحدد الأتجاه الذي سينطلق فيه. أرتفع قليلا حائرا ثم هبط مترنحا على الأسفلت. سحلته الريح رغما عنه هذه المرة ، و تركته قرب النفايات التي تجمعت عند فوهة بالوعة الشارع.
وصلت الى الحديقة مفكرا بالكذبة على زوجتي. أكيد انها واثقة بأنني على موعد مع امرأة. هي تغلي الان غضبا و تحشر ملابسي في حقيبة استعدادا لطردي.
خيل لي أول الأمر وأنا أنظر من خلال الأشجار الكثيفة، بأن الريح قد حملت أكياسا سوداء اخرى . لكنها في الحقيقة حملت أولئك الشبان الأربعة حليقي الروؤس. بغريزة حيوانية شعرت بالخطر. شممت روائحهم حين اقتربوا مني ، وقفت أنا من دون سبب للتبول، خلف شجرة عملاقة. أحاطني أثنان من اليمين و آخران من اليسار. بدوا كأنهم الملائكة الحراس. أخرجوا عتلاتهم وتبولوا بشدة جميعا مثل حمير لم تتبول منذ سنوات. كانوا يتبولون وهم يرمقونني بنظرة جامدة وساخرة بسبب قضيبي الذي لم تنزل منه قطرة واحدة من شدة الخوف. كنت فريسة سهلة وجبانة. كان ضجيج بولهم المتدفق بجنون ، يملأ وحده المكان، مثل شلال يهدر في العتمة، بعدها هدأت الريح ، او أنها تواطأت لفسح المجال أمام معزوفة البول وروائحه، التي كانت تصعد الى دماغي مثل غازات الأعصاب السامة ، او لعل الريح كانت تشتهي أن تهب السماء فرجة مجانية.
انتهى كل شيئ بسرعة خاطفة. بالوا دفعة واحدة كل غرائز الحيوان الممكنة في دقائق معدودات واشبعوني ضربا. ثم ركضوا وكأن الريح حملتهم وأخفتهم بين طيات ثوبها الوقور ثم عادت للعمل بعد ان أدى الشباب مهمتهم على خير وجه. كنت أنزف من أذني و منخريّ وأسناني و عيني ومن منخري روحي المسدودين أيضا. حاولت النهوض. تمنيت لو أن هذه الريح العبدة بطاعتها العمياء وولائها للسماء، أن تحملني أنا الآخر. لكنها لم تفعل. كانت تحمل كل شيء عدا جسدي الفارغ الذي ظل ينزف قرب الشجرة كما لو أن ما حدث كان من رواية هزلية مليئة بالمآزق التافهة. شاهدت أكياسا فارغة من كل لون و شكل. كانت تحلق فوقي بسرعة جنونية وكأنها تقدم لي عرضا خاصا من بقايا العظام والأزمان والأماكن. كما بدا لم تكن راضية عني، ونافخها أيضا. مر كيس رصاصي اللون ممزق، عرفت أنه عباءة أمي. مر دماغ محترق لكن بأجنحة عملاقة. مر سرب من الاسماك حاملا فتاتا من لحم بنت صغيرة . مرت أفاعي الحصار الطائرة ملتفة حول طعامها من البشر والاحلام. مرت جميع ألبسة زوجتي الداخلية وكان أحدها يقطر دما ، و الآخر منيا، والذي يليه حبرا، وهكذا. مرت دفاتري القديمة تصفق بأغلفتها. عقارب في زجاجة مرت. قمصاني الصيفية. الأدوية الفاسدة وعلب حليب الاطفال. الخبز مر بجناحين من خراء. مرت قصائد وهي تتبول على نفسها مثل أطفال معوقين. مع كلابهم الوحشية مرّ الجنود حراس الحدود التي عبرتها مشيا . اخي الأحول يلبس عمامة الأمام. مرت أصابعي مقطوعة ومدماة. مرت ابنتي مريم في عربة اطفال وهي ممسوخة من فرط حبي لها. مرت زوجتي وهي تعزف على بوق يخرح صوتا كطائر البوم.
مرت حياتي ورقة ورقة. مرت مآزقي ورقة ورقة. ولم ينته مرورهما حتى بعد أن أغمضت عيني. كان قد هيمن علي الألم والدوار . ومرت الأوراق في العتمة بيضاء ورقة ورقة.

في المساء كان الرجل يتمدد فوق السرير في المستشفى وهو يبتسم لزوجته وابنته التي كانت تحمل زهورا جميلة.
- لماذا تبتسم هكذا ياأبي ؟
سألته مريم بدهشة.

.......................
* من أقوال ألبير كامي.

2007

الاثنين، 22 سبتمبر 2008

الشعر هو كتابة عن الشعر




ما الشعر اذا ؟
الانسان ميت
القصيدة وحدها تتعذب
.....
في هذا العالم

خزين الغائط
كل انسان رمز مقدس
إن كان تعريف الرمز هو الصليب
....
الأشياء الوحيدة التي إستطعت الاحتفاظ بها من مزبلة حياتي القديمة :

التدخين ، إطلاق الشتائم ، التفكير بالموت.
التدخين أثناء الخوف من الموت هو حركة كلاسيكية ،
مثل التدخين أثناء ممارسة الجنس
الحب يشبه التدخين : ثقب في الرئة.
....
ربما سمعت ً أنت ايضا عن الحياة التي لا يتقاسمها الجميع بالتساوي. ربما لا شعرَ في هذه الحقيقة. ربما أنت أيضا مصاص دماء متنكر في زي حمار. ربما بالغ َالشعر الحديث في كره المعنى. وربما الروح خدعة مسرحية ناجحة.
....
بين فخذيك سمكة حمراء

سمكة شفافة في احشائها خاتم المعنى
والآن ماالفن ؟
هو وجهك حين أمسُّ الخاتم
الشعر مثل هذه الايماءة
خوف ٌ من الزوال.
....
مع ذلك ، أتخيل حياتي ، صورة واحدة لاغير :

ـ عجوز طاعنة في السن تحدّق في ثقب مؤخرتي
عين الزمن في عين الغائط.
....
كتابة الشعر سهلة جدا للأسباب التالية :أن تولد في بيت لايعترف بالطفولة. أن يخيفك الموتى، وأن تبقى عاطلا عن العمل بسبب الغموض وشياطينه. الغموض الذي يلف حكاية حبة البطاطا الراقدة في التراب وحكاية النداءات المجهولة القادمة من المجرة. وأن يكون لديك واجب حيواني تجاه الحب وواجب إنساني تجاه الكراهية، وأن تغامر قليلا في حياتك. كأن تعبر النهر مشيا على الاقدام، أو أن تجلس في بئر سبعة أيام.

كتابة الشعر صعبة جدا : من المستحيل أن تمس جوهر الشعر من دون ان تهجر الكتابة الى الأبد.
....
كل ما يدخل القصيدة يخرج منها

صياح الاطفال ، الذئب ، حقول الحنطة ، الشعر الزائف والشعر الجميل ، الكابوس الذي يخنق بيديه النائمين ، الظلام الذي يأكل في المقبرة ، الحروب ، الشمس المكسورة بحجر طفل ، الطيور الميتة ، الغائط والحب، المرئي والغامض ، زجاجات البيرة الفارغة ، المجرة ، الريح ، وعيون المصابين بطلق ناري ...
كل شئ يدخل ويخرج من القصيدة
ولايتبقى سوى القصيدة
ممر أشباح الزمن




الأربعاء، 17 سبتمبر 2008

خنفساء الروث



ـ دكتور، هناك قصص للاطفال، وقصص قصيرة جدا للمرضى الذين لم يعد لديهم الكثير من الوقت. هناك قصص على شاطئ البحر، يعني قصص صيفية للاثداء التي تتشمس ، قصص كسولة عن غائط الواقع ، قصص للنخبة ، للاوقات المملة ، للامهات الحوامل ، للسجناء. انا لايمكنني أن أكتب قصة ، لكني مستعد للتدخل في قضية الأدب ، لغرض واحد فقط : من اجل كرامة من هم على حافة الجنون. أما أنا فلست إلا مسمارا في عين مصلوب ...

كان الطبيب يقود السيارة لزيارة والدته في مدينة صغيرة قريية من العاصمة. الطرق زلقة ، بعد أن ضربت الثلج شمس البارحة والتي ظهرت فجأة من خيمة العتمة في هلسنكي. في الصحف ظهرت صورة تلك السيارة محطمة بعد إصطدامها بمقدمة باص مدرسي إحترق فيه تسعة أطفال وجرح آخرون. قتل الطبيب أيضا. بدت جثته كأن منشارا كهربائيا شطرها الى نصفين. كان إنسانا طيبا إمتلك روح زاهد. وكان طبيبي النفسي منذ اكثر من عام ونصف. مؤخرته جميلة جدا. أنا أعرف بم ستفكرون ، ايتها الصفادع !
خنفساء الروث التي تعيش في الصحراء الأفريقية تعمل كريات صغيرة من الروث تضع فيها البيض وتدفنها في الأرض. تعتني به الى أن يفقس. يقرأ الرجل في موسوعة سميكة عن الحشرات وهو يتحسر على حال البشر. يحلم بأنه أصبح من أجنة الروث المدفونة في الارض وأنه الآن داخل بيضة. تخيل أن الألم هو خنفساء عملاقة طيبة صارت أمه.
هذا الصباح أستلمتُ مع اعلانات البيتزا والصحف المجانية ، من فتحة الباب ، رسالة من المستشفى. غرامة مالية قدرها 27 يورو بسبب عدم حضوري في الموعد المقرر مع الطبيب الجديد قبل أسبوعين. طيّب ، هل أستحق مثل هذه العقوبة ؟ بعدها قفز الى ذهني برغوث آخر: عشر سنوات من دون أن أرفع سماعة الهاتف للسؤال عن أمي وأخوتي الذين أعرف في أي جحيم يحيون. براغيث اخرى من كل صنف وشكل تحبس الهواء في دماغي.
أخذ الرجل يتأمل قلبه الغليظ من زوايا عدة ، ولم أخذ في سن مبكرة يغلفه بطبقة سميكة من الأسمنت والحديد. لم يعثر على الجواب ، بل محض أحاسيس غامضة لاتعينه في تفسير قسوة قلبه وهروبه المتواصل من الماضي. لكن ألم يرد أن يختار بنفسه حياته ويكون سيّدها. هاهو الآن يسكن في شقة جميلة في هلسنكي، وبعد عام تذهب الصغيرة مريم الى المدرسة ، ولدى زوجته مدخرات من عملها في مطعم البيتزا وتفكر الآن بفتح مطعم يقدم الأكلات العراقية. تفكيرها جاد هنا : نادلات مطعمها يلبسن زيا هجينا، عراقيا وأخر للراقصة الشرقية. ديكور المطعم ذو طابع تراثي. وإذا جاءت الموافقة فسيقف أو يبرك جمل حقيقي في إحدى زوايا المطعم. سترافق الطعام وصلات من الموسيقى الشرقية. أما الأرضية فستفرش بسجاد عليه صورة السندباد ، أما البخور في المطعم فسيخرج من مصباح قديم يذكر بمصباح علاء الدين. لقد فكرت بكل مايداعب مخيلة الفنلندي والزبون الغربي عامة عن بلاد ألف ليلة وليلة. مرة سأل روائي فنلندي شاب الرجلَ راسما على وجهه علامتي تعجب وأستفهام كبيرتين : كيف قرأت كافكا ؟ هل قرأته باللغة العربية ؟ كيف تعرفت على كافكا بهذه الطريقة ؟ شعرالرجل كأنه متهم ، والروائي الفنلندي محقق، وكافكا كنز من كنوز الغرب سطا عليه العراقي علي بابا. بمكنة الرجل أن يسأل بالطريقة نفسها أيضا : هل قرأت كافكا بالفنلندية ؟!

ـ دكتور ، راقبنا الكوكب ( دوعيس توملا) أربع سنوات ضوئية ، وتأكد لنا بأن لا أحد يعيش عليه سوى الستة الذين رصدتهم كاميرات المراقبة الفضائية. المثير للدهشة هو أن هؤلاء لم يبارحوا حدود قريتهم على ضفاف النهر الاحمر. وهذا عبارة عن نهر متجمد لكنا لا نزال نجهل طبيعة مادته. يبدو لنا كأنه نهر دم متجمد. ويبدو لنا من نتائج المراقبة أن أحد الكائنات الستة هو قائد المجموعة. بيته المنعزل عند جرف النهر، على هيئة كأس، بينما بقية البيوت عبارة عن غرف زجاجية على هيئة فقاعة ماء .البيوت متجاورة بخط منحني. طوال تلك الاعوام لم نرصد من طرق عيشهم سوى مايقومون به كل يوم بشكل روتيني صارم. يبقى الخمسة في بيوتهم طوال الوقت بينما يجلس السادس من دون حراك على حافة النهر الاحمر. بعدها يخرج الخمسة سوية ويتوجهون الى السادس. يحيطون به ، ثم يسلمونه شيئا ما غير مرئي. وحين يبتعدون عنه عائدين الى غرفهم ، يعود السادس الى غرفته أيضا. يمكث بعض الوقت هناك ثم يخرج ويرمي أشياء غير مرئية الى النهر ثم يعود الى مكان جلوسه. قررنا أخيرأ أن نقضي عليهم بأشعة الليزر و لانجازف بالاتصال بهم. أظن أن زمن المغامرات قد انقضى. ذلك الزمن الذي سبب إختفاء أرضنا القديمة. لكن المثير للضحك ، هو انه كان بيننا رائد فضاء عجوز غريب الاطوار لايزال يكتب الشعر. وهذا السلوك المتخلف كما تعرفون كان يمارسه أسلافنا الاوائل على الارض. كان يقول: هؤلاء الستة هم الله ! لكم أن تتصورا أنه بعد كل هذا التأريخ الطويل للوجود ووصول الإنسان الى خلود الانسان بعد انتصاره على الموت ، هناك من ظل مؤمنا بالله .ولابد من معاقبة رائد الفضاء واخضاعه لعلاج نفسي طويل. فهو مصاب بداء الايمان المنقرض في عصرنا هذا ، عصر الابحار الازلي ، عصر الخلود الثاني الخالي من أي هدف أو أتجاه .
لكن في ليلة هادئة وجميلة خرج رائد الفضاء من غرفته للسباحة. ارتدى بدلته وقفز الى الفضاء و أخذ يسبح ببطء ويتأمل النجوم البعيدة. وبعد ها بقليل ، لم يفعل رائد الفضاء اكثر من قلب حروف أسم الكوكب في ذهنه وقراءته من جديد : الموت سيعود ...
بعد هذا الاكتشاف اللغوي الصغير ، والذي اعتبره بعضهم محض شعوذة ، دب الذعر بين سكان المجرّة وعقدت مؤتمرات عديدة للبحث في الاخطار المحتملة ...

ـ دكتور، لهذا كان لابد من عودة كتابة الشعر. فقد حرّكت كلمة الموت مروحة الاحاسيس من جديد...

لا اريد النظر بصفاء وهدوء ، لقد تعبت ، اريد ان اصرخ. انا مثل أي واحد منكم ، حشد من القردة الفصامية تعيش في جسد واحد. انا سمكة تحترق في فرن، بينما المطر ينهمر في الخارج. صورة اخرى وتخرج السموم من فمي. أبتسمي ياأمي لكي ينضج التمر. حسنا ، ظننت ان العالم مجرد حلم مشفر وأني صياد رموز لكنه بحاجة الى شبكة صيد ومختبر. لقد خدعتني الكتب قبل ان تخدعني موسوعة الحشرات البشرية. وأخيرا تهاوى الحلم الذي دمرت من أجله حياتي. الآن صار لدي حطامان: حياتي والحلم. أنا أحبك ، يا أمي. وأصلي من اجل ان يتوقف الله عن تعذيبك بالحزن الشعبي الاسود، و أن يحكم البلاد ملاك ذو مؤخرة جميلة. كان الطبيب قبل أن يحرق باص الاطفال، يعالج كآبتي مرة ، وفي أخرى ذهني العدائي مثير المشاكل. أنا يا أمي لا أنام. هم يريدون تنويمي عنوة. وأنتم يا اخوتي، أعلن لكم بأني من صنف المرضى المذعورين، من صنف الفئران الكافكوية، سلالة مطاردة الى الابد. نأكل بسرعة وخوف، ننام بعيون نصف مغمضة، وأبطال كوابيسنا قطط شريرة ومصائد من أسلاك شائكة. لعلمكم ليس هذا المرض معديا بل وراثي. قبل ظهور كافكا كانوا يسمون أسلافنا بمواطن الشر. أرسلوهم الى المعابد لطرد الشياطين من روؤسهم.
زوجتي وأصدقائي ورئيس جمعية الدفاع عن المنحوسين. يصلون كلهم كي أنام و أقبل قسمتي في الحياة. هم محقون إذا شعروا بأنهم أصحاب أمتياز. فالنائمون هم ملوك يولدون في النهار معافين هادئين خارج المستشفى ولايعرفون صراخ الولادة. أنا أحسدهم على مثل هذه الطمأنينة وطيبة القلب. اما أنا فيمكن نعتي بعديم الثقة، على وزن عديم الأخلاق... فأنا عاجز عن أن أسلم روحي لطلوع النهار خلسة، ومن دون حراسة. أنا عديم الأيمان ايضا. وأنوي الإعلان عن معركة جديدة مع الصيدلية. لهذا لن ازور الطبيب بعد اليوم. المشكلة أنهم يمنعونك من شرب الكحول حين تتناول حبوبهم بنات الكيمياء ومبيدات الحشرات التي يقدومنها لك ومعها ابتسامة عريضة. الممرضة اعطتني رقم هاتف اطفائيي الانتحار ايضا. وهل تظنون انني أمزح ، أو لم تسمعوا من قبل بهذه المهنة ؟ قالت الممرضة بالحرف الواحد : يمكنك ان تتصل بهذا الرقم إذا شعرت بأنك مقدم على فعل خطر. هم سيأتون في الحال. لم أصدق حين سمعت بأن هناك سيارة أسعاف لأنقاذ المنتحرين. لكن هل هو انقاذ أم فضول لمعرفة قصص التجارب الفاشلة. فأي منتحر يضع رأسه في الأنشوطة ثم يخرج من جيبه هاتفه الخلوي و يتلفن الى الإسعاف... اوكي... اوكي ... اوكي... أنا موافق على زيارة الطبيب ، لكن بشروط : أن يأتي بأجوبة أخرى غير التي أعرفها. أريد أجوبة مقنعة عن أزمتي حين أدور فجرا في الشوارع. أريد أن اسأل الطبيب عن تلك الرغبة الدينية الغامضة التي تخضني في مثل هذه الساعة الصباحية المباركة.

شكرا لك سيدتي. هاتي رقم هاتف جماعتك. عيناك جميلتان، وهذه الزهرة الجميلة. اقصد حلقة الأذن. هل هي نرجس ؟

كنت أقول للطبيب قبل ان يقطع الى نصفين ويحرق بسيارته الأطفال :

ـ دكتور. هل تعرف أني حين أخرج من البيت ويلامس وجهي الهواء البارد تفيق تلك الرغبة. مياه دافئة تصعد من ينابيع مجهولة الى رأسي. أفقد ثقل جسدي ثم أشعر انني صرت غيمة بوذية. كيف أوضح لك الأمر. أنظر ، هو ذا طائر نورس يخطف من مجموعة عصافير قطعة خبز صغيرة ويصعد بها الى سطح محطة القطار...

ـ دكتور... أستطيع أن أسمي مشاعري حينها بالرغبة في التقبيل. أن أقف مثل موزعي الصحف المجانية والأعلانات أمام باب المحطة ، وأعترض طريق الناس المسرعين. أن أستوقف الناس لتقبيل أياديهم، أحذيتهم، ركبهم، حقائبهم. ولو سمحوا لي أن أعرّي مؤخراتهم لدقائق، ولقبلتها. أسمحي لي سيدتي أن أقبل كم معطفك... أرجوك سيدي تقبل مني هذه القبلة في ربطة عنقك. قبلات من دون مقابل ، قبلات حزينة ومخلصة. ولمرات كثيرة يادكتور، لا أريد تقبيل الناس فقط بل آثارهم على الأرصفة : قبلات لأعقاب السجائر، لمفتاح فقدته عجوز، لقناني البيرة التي خلفها السكارى ليلة أمس ، لأرقام في وصولات مهملة. قبلات تمتزج فيها غريزة الأمومة بالشبق. مثلما يمتزج الليل بالنهار في رأسي ...

ـ دكتور. ثم تنقشع فجأة هذه الرغبات تماما كما يحصل لسماء صافية إقتحمتها عصابة من الغيوم البدينة الوقحة. شئ ما شبيه بالتعذيب يحدث لي كما لو أن سجانا وحشيا يقلع أظافري. أشعر يادكتور أن فكي صار فك حيوان وذيلا نبت في مؤخرتي. الرعب يادكتور يعربد في حنجرتي التي جفت وتبحث عن قطرة ماء وأيّ كان الثمن ، حتى لو كان شرف الانسانية. الظمأ والكره يختلطان في رأسي الذي صار بوقا ينفخ أناشيدا سادية. لذا أريد هذه المرة أسترداد قبلاتي المجانية تلك. أريد أن أقطع خصيتيّ ذاك الرجل المسرع الذي يشعل سيجارته عند باب المحطة. أريد أن اغرز أظافري في وجه ذاك الطفل الذي تدفعه أمه صوب محطة المسافرين. طفل يعلمونه السفر والرعب. طفل آخر يادكتور. فارزة أرق أخرى بين الليل والنهار ...
ـ دكتور : انا ولدت في بغداد. جدي فلاح جاء الى المدينة. جدي كان يظن أن الشوارع هي ممرات مائية في أهوار الجنوب. صدمته سيارة ومات. ابي ظل جنديا الى ان رحل بالسكتة الدماغية. وامي لم تكن تقرأ وتكتب. امي تلطم في الحرب والسلام. وانا كنت اجلس في ظهيرة تموز اقرأ في مطر السياب. أخوتي صاروا شرطة ومساجين ومصلين. إذن من المفروض ( حسب شروط الاصالة ) ان اكتب رواية واقعية عن سيرة الماء واللطم واحفاد علي بن ابي طالب. ان اخصص وقتي لدراسة التراث ، لفهم مساعي القمل الذي يهرش فروة رأسي. جدي جاء الى المدينة ليحمل صورة الزعيم. جدي الذي هرب من الجوع والبعوض.

ـ دكتور ... أنت تعرف أن هناك نوعين من السموم. الطبيعي والمصّنع. و هي ُتصنف حسب مصادرها أو طبيعتها الكيمياوية. منها التي تسمى الكاوية وأخرى المهيجة وهناك سم الاعصاب وسم الدم. الكاوية تتلف الأنسجة مباشرة. والمهيجة تحرق الاغشية المخاطية. سم الدم يمنع وصول الأوكسجين الى الدم. كما أعرف أن السموم تصل الجسم عادة عن طريق البلع أوالإستنشاق أو اللسع أو المص. الدفلة الحمراء وعين الديك والخروع والداثورة واللحلاح والشوكران هي أنواع من النباتات والاعشاب السامة. أما اللسع واللدغ فهو من اختصاص العقارب والأفاعي والسمك اللساع والسمندر وبعض الضفادع مثل ضفدع الطين. ومن أهم أعراض التسمم ، وهي تختلف فيما بينها حسب زمن مكوث السم في الجسد، إنبعاث رائحة في الفم تشبه رائحة الكحول. أنت يا دكتور تعرف أحسن. لكن أسمح لي أن أكمل كلامي .أنا ولدت بهذه العاهة، رائحة تفوح من فمي منذ الطفولة، وهي هذا اللسان العفن والسليط .اما الأعراض الاخرى التي جاءتني بها حياتي، فهي اتساع وانقباض حدقة العين، حرقة في الحلق، غثيان وقيء وأسهال وتشنجات وهذيان وازرقاق في الجلد وخلل في مشاعر الحب وإغماء أو نوم عميق كما السبات أو إضراب بدني. وفي حالة التسمم بدواء يمكن شوي تفاحة وتناولها الى حين أخذ المسموم الى المستشفى. لكن خل التفاح يستخدم ضد التسمم بسمكة متعفنة أو الفسيخ أو الساردين المعلب ، ويكون شربه بعد إفراغ المعدة بالتقيؤ، ولا داعي للفزع من لسعة نحلة أو بعوضة. ُننزع الأبرة ويدلك مكان اللسعة بالثوم أو ورق الكراث أو الحبقل. اما لسعة الأنسان لأخيه الانسان فهي بالتأكيد نهاية مؤسفة نواسي فيها المصاب المحتضر. ولاحاجة حينها الى أشياء كثيرة بل مجرد اشعال شمعة صغيرة لطرد الشياطين التي تتهيأ لنهش جسد الميت. أو الأسراع بالنفخ في فم المحتضر. وهذا يعينه في تلك اللحظات على اكتشاف الركام الهائل من الأوهام التي عاشها.
ـ دكتور . أجلس في المقهى ساعات وساعات حتى تؤلمني مؤخرتي. الفتاة التي تنحني فوق أوراقها وتكتب خرجت لتدخن سيجارة في باب المقهى. سقط القلم أثناء نهوضها. أحببت القلم بكل نقاء واخلاص. قلم يرقد غاضبا قرب ساق الكرسي. قلم فتاة جميلة ذهبت لتدخن سيجارة يرقد وحيدا كارها حياته القصيرة. كل حركة يادكتور ، كل أشارة مهما كانت بسيطة أو تافهة تسبب لي صداع الحب. لذا أحاول أن أبدو كحاقد بالغريزة. لكن ما معنى ذلك ؟ لاادري. لدي ، كما ترى ، حركات مدمن على الكحول الذي كف عن أن يجلب له المسرة. الا تلاحظ ذلك ! تخجلني فكرة تسرب قصص حبي الصغيرة هذه الى الآخرين. مرة أخبرت صديقا بأني أفكر بأزرار قميص شخص يجلس في المقهى وأكثر مما أفكر في حروب البلاد. لم أكن أتظاهر بقول الشعر او بالجنون. لكن نظرته اليّ تشبه الشتيمة.
ـ دكتور ... أكيد أنك لم تسمع بقصة السمكة المسمومة. هل تظن أنني مجنون احدثك عن السموم من دون سبب. في بداية سنوات الحصار الاقتصادي، في سنة 1991 أنتشرت في بلادنا قصة الأب والسمكة. كان قد أشترى سمكة كبيرة مع بعض الخضار والطرشي. شوى السمكة بنفسه. وأعد السلطات. ثم أكل مع بناته الست بعيون دامعة وقلب مرتجف. بالطبع لم تعرف بناته أن الأب قد سمم السمكة. لم يجد الرجل حلا آخر كي لاتصبح البنات بغايا. كان يبيع الأكياس البلاستيكية في السوق. وما كان يكسبه لم يكف للعيش. رحل وهو موقن من أن زوجته الراقدة في مقبرة النجف ستفهم. شأن ناس كثيرين لم يردوا ان يسموا ذلك جريمة . أما أنا فكنت أفكر في أحلام اليقظة ـ احلام بنات الرجل وهن يأكلن سمكة أبيهن اللذيذة. لاأدري أن كان للآخرين أحلام يقظة حين يأكلون بصمت. أنا أعرف أن لا وقت محددا لأحلام اليقظة ، وهذه هي ميزتها على احلام النوم الخاضعة للنظام لكن ليس الديمقراطي. إنها من إمتيازات جمهورية احلام اليقظة. كانت قصة الرجل نذيرا أفزع الناس في سنوات الحصار الاولى. لم يكن مسموما ذيل السمكة الذي تجمع فوقه الذباب في حاوية الزبل. أخذته قطة سمينة وأطعمت به صغارها على سطح تلك الدار. كم أتمنى أن تكون هناك مثل هذه القطة حقا. كل مأساة لاتتخللها تفاصيل مخترعة بطريقة مبالغ فيها وبكائية، لاتستحق ان تمثل على خشبة مسرح التراجيديات الكبرى. والآن يادكتور هل فهمت قصدي؟ ذيل السمكة هو فارزة أخرى. هناك فارزة شوكية في دماغي تمنعني من النوم. أنت محق. لك يا دكتور ، الكلام الآن. الناس لم يتكلموا آنذاك عن نوع السم في السمكة، بل تحدثوا طويلا عن قضية الجوع وشرف البنات...

ـ دكتور .. تريد القول إن بمكنة العالم أن يكون أبيض مثل قميصك. أوكي ، دكتور. وأن الانسان فارزة بين كلمتي ولادة وموت. لكني استحلفك بشرف مهنتك الانسانية ، أن تخبرني بمعنى هذه الجملة البيضاء الفارغة، وهل أن الفارزة ضرورية الى هذا الحد.

ـ دكتور ، فارزة اخرى من فضلك. اسمح لي ان اذهب الى الحمام . سأحدثك يادكتور حين اعود عن فارزة أخرى أسمها : الوحشة . لكن دعني الآن أفرغ أمعائي. أشعر أنني شريت برميلا من الوحل ...
ـ دكتور .... هل تعرف ان انواعا من الفئران تبدأ بقضم ذيلها حين تجوع. والفأرة الأهم التي عرفتها وأعانتني في أن أتنبأ بمصيري هي فأرة كافكا. هل قرأتها يا دكتور ، باللغة الفنلندية ؟ كيف سأترجمها لك. هي من سموم كافكا القصيرة جدا وعنوانها حكاية صغيرة :
قالت الفأرة، ياللأسف! يزداد العالم ضيقا كل يوم. كان كبيرا من قبل حتى أني خفت، وركضت، ركضت، وسررت حين رأيت أخيرا، الجدران تظهر في الأفق من كل جهة، غير ان هذه الجدران الطويلة تركض سريعا كي يلتقي بعضها ببعض واذا بي في آخر غرفة ، كما أني أرى هناك مصيدة سوف اسقط فيها .
( كان عليك ان تبدلي الاتجاه )
قال لها القط وهو يمزقها.

ـ شكرا دكتور ...

ـ والآن يادكتور، اخرجني من كرة الروث ، أرجوك.

الأحد، 24 أغسطس 2008

يجب شراء اعلانات الشعر






الى اصدقائي الذين ارسلوا جثثهم اليّ ليلا عبر البريد الالكتروني
الى الشاعر كورش قادر ، الى النحات باسم حمد



الاعلان


أبيع جسدي
أبيعه بأبخس الأثمان
أبيعه شرائحا وأبيعه في قناني النبيذ
أبيعكم بالمتر والغرام
أبيعكم من دون غش ، أبيعكم الصدر والاكتاف والأضلاع. أبيعكم الجذع ، أبيعه مع ابتسامة عريضة. علقوا عليه القمصان الصيفية. هذا الجذع ياسادة يصلح كمرآة اثرية مشروخة. اقتربوا، تفرجوا ، انه مناسب كهدف للتصويب في معسكر الجنود.
اصابع يدي، انظروا، لتسلية العجائز. اصابعي هادئة، كملاعق فضية قديمة
أبيعكم جسدي يا مصاصي الدماء
أبيعه بكل محبة وتواضع
أبيعكم يا اصادقائي القدامى ويا اصدقائي الجدد
أبيعكم كبدي ورئتي وكليتي
قلبي ، اوه …..
قلبي الف حاجة وحاجة. منفضة سجائر.هدية غامضة في عيد الميلاد. اسفنجة لتنظيف مقعد المرحاض. صورة للبحر من دون اطار. رمانة مخمرة منذ القرن الثامن عشر. عجينة دم لخبز اسود. لكن قلبي لايصلح كقطن لسد الجروح، ربما ينفع لمسح زجاج النوافذ او كقطعة لحم لكلب جائع.
اشتروا ساقي الحزينتين
اشتروا قضيبي للعادات السرية
اشتروا عيني لحراسة الليل
اشتروا معدتي لهضم الألم
دماغي مع قليل من التوابل يساعد المرء على كتابة الشعر. شفتي مطبوعة على الورق، ملصق لتخويف المدخنين. جلدي لخياطة اقنعة مسرحية.
ضعوا مؤخرتي في صالات الاستقبال بدل روؤس الثيران .استخدموا اذني لاضحاك الاطفال .اربطوا عظامي كحبل لنشر الغسيل.
اشتروا اسناني المنخورة لصنع قلائد الشعوذة
اشتروا دمي لتعميد الوحدة
تعالوا..... تفضلوا......اشتروا..... اتوسل إليكم.......
احتفظوا برأسي كمزهرية .إشتروا مع الزهور الكثير من لحمي. ضعوا قطرتين من أنفاسي في طبق الفاكهة. فرقوني في بطونكم. رشوني على الأسرّة .إطحنوني وأنثروني.... لِمَ القبر وحده من يشتهي ؟


ماركة مسجلة

انا عراقي ولدت في عام 1973 في بغداد، لكني أذكر ايضا انني ولدت في سفينة نوح من قرد نام مع سحلية ، وكان البحر هائجا. لا علينا أن نمحو آثار السعادة ونحن في الطريق كي نحرق الأمل في القصيدة ، تقول الاغنية. لكن الكأس الذي تلفه الأفعى هو رمز يجب المحافظة عليه مطبوعا على أغلفة الأدوية. والأهم من ذلك ، تعميمه على شواهد القبور بدل الصلبان والآيات القرآنية. يمكن اضافة موضوع الوحدة الى قائمة السموم الطبية. ومعها الشك وزهرة الخشخاش.

يجب تكرار الكلمة : الأنسان الأنسان الأنسان ، الى أن تصاب بالدوار
انا هندي ولدت في معبد بوذي من رجل نام مع تمثال في ليلة ماطرة
انا سوريالي متطرف لا اؤمن بالتماسك
انا كاثوليكي تزوجت من اصداقائي الذين ماتوا من دون سبب
يجب التحقيق في مركز الشرطة مع جميع الارحام
يجب تعذيب الكآبة في سجن انفرادي
انا شيعي ولدت من زواج متعة في ظهيرة تموزية
انا أسير هارب وعشرون كلبا يلهث ورائي
يجب تحريم الدخول في إمرأة من دون وضوء
يجب ممارسة التمييز العنصري ضد الله
يجب تلقيح الشعر بمرض العدوانية
يجب فضح الحب في السينما

انا ثلاجة موتى ملوثة بدم أصدقائي المنجمد في قلبي. وفي رواية اخرى انا عراقي مت في المنفى، لكني اشعر انني قتلت بالخطأ في بيت عاهرات. كنت احاول ان ادفع بالشعر الى الخطوط الامامية. كنت احاول ان أجرّه عنوة الى الخنادق، حيث يتبرز الجنود من شدة الخوف ويحاربون ، من دون أمل ، في أرض غريبة. ثم اصبت بلوثة الحكمة عن طريق العدوى : لقد ُخذِلتُ ، قلتُ. يجب ان اشتري كلبا وأشيخ. حسنا ، لقد افلحتم جميعا في هزيمتي، لم يبق أمامي سوى ان أزوّر التاريخ وانتصر لمعركتي. دعوني الان اعقد معكم هدنة سلام. دعوني اكتب عن النوم الذي حرمت منه طويلا. كل النيام يكتبون قصائد رمزية عظيمة. حتى القاتل حين ينام تسقط عنه جرائمه. انظروا الى قسمات وجهه المهذبة التي تفوح منها رائحة طفل رضيع. انا خفاش مدهون باللون الأحمر في صحن فاكهة. يجب تدريس موسوعة الخوف في المدارس الابتدائية. يجب التركيز على مادة تاريخ الشيخوخة. لايمكن حشر المكتبة في الصيدلية. المقبرة هي الصيدلية. انا مشهدُ حريق في مسرحية رديئة ، مشهدٌ تفحمت فيه جميع الحقائق الورقية. على كل حال، يجب الأنتباه الى خطط اعادة الاعتبار للقرون الوسطى بحيل الكترونية. انا مازلت أُصلب في قضايا دينية .
لابد من بناء سفينة نوح جديدة...


2007 ـ هلسنكي


الخميس، 1 مايو 2008

ثلاثة أثداء








أما أنا وحيد القرن ، فمازلت أطارد القصائد الخالية من الهواء، الرطبة ، الملوثة ببقع بول المحكومين بالإعدام ، وأبتسم في كل يوم مرة واحدة ، أبتسم مثل من يردد كذبة صغيرة تكاد ُتكشف، وأحلم بثدي سرّي كبير ، أدخل فيه وأنام.

ُمقلق هو الشعر الفاسد ، أليس كذلك ؟
بدل البكاء عند أقدام الوردة ،
يمكن تعليق الانسان من خصيتيه وإشعال النار تحته
وأن أبتسم ، هكذا أبتسم ، مثل قرد خبيث
حتى الكآبة ، الكآبة العزيزة على قلبي ، بحاجة الى تلوين
يقولون لقد أزهقتم روح الشعر بهذه الوسادة السوداء

مع ذلك ، أقول يا أخي ( بوقار مفتعل وبطيبة أوزة ساكنة) :
يمكن بناء رئة احتياطية بكلمتين
كأن تقول : الشمس ستشرق ...
وبكلمتين أيضا يمكن تلخيص سيرة العبث
كأن تحك كلمة شعر بكلمة موت
لكن اللغة ليست معجزة
انها جندي افتراضي يحارب في مستنقع

حين دخل القتلة الى الحانة وملأوا الكوؤس بالدم
أنا كنت أستنشق الدخان
أقصد أنني كنت أطحن كلمة بكلمة
لاأدري كيف نجوت
أحدهم إدعى أن زعيم القتلة كان اخي بالرضاعة
كنا نرضع من ثدي مسموم واحد
لكن هناك دائما لكل طفل طريقين
ولكل إله شعارين : النار الحامية والماء العذب

أما الحكمة الدينية وأختها الشعرية التي تقول إن في الموت سلاما ،
لاتكفي للنوم بسلام ...

هل سئمتم هذا المسلسل الدرامي القديم للغاية : الشعر

رموز شعرية أثرية :
ـ الطمأنينة تهرم ، بينما الخوف يجدد شبابه
ـ أنت ختم أسطواني كان الملك يستخدمه للتوقيع على أوامر الإعدام
ـ هذه الوحدة ، هذا النداء الغامض ، هذا الرمز وضحاياه ؟
ـ كلب يعوي في لوحة مائية معلقة على جدار أسود...
ـ أنا دسيسة ومنديل إمرأة في حبكة شكسبيرية
ـ لمسة فرشاة خبيثة ُتظهر ثدي مريم العذراء كطوق نجاة

وأنا على حافة الجنون أيضا ، وُمخدَّر قليلا مثل قطة تتشمس
مازلت رقيقا جدا مثل لسان الذئب
ألعق دم الطير الذي يسقط في يدي
وأدرس الفلسفة والشعر في الانفاس الكريهة للانسان

وهكذا ... أخي بالرضاعة ...
مثل أصباغ الهنود الحمر
لنرسم المزيد من البثور والندب على جلودنا الحربية
الكلمة ملثمة ، تبحث عن شئ ما لايروق للعدالة
الكلمة تخبيء إنسانا أخرس
يسقط القناع فينسكب الرمز مثل سائل بارد أحمر

لا أطالب بشئ ، أريد طفولتي ...
حين كنا نقول : إمرأة بثلاثة أثداء ،
إثنان حليب وواحد يصب الشاي
وكان الاطفال المهذبون للغاية ،
يفرون من صورة إمهاتهم المخترعة
وكنت أنمو مثل غصن أعوج...
وكانت شجرة العائلة تكافح في كل الفصول
وكنت من دون أسنان مثل حشرة سامة

أنظر ، هذه هي السماء !
ذلك الرمز المعلق بالمقلوب كغيمة
هذا الخفاش الموشوم على يد الانسان

هذه الحقيقة التي تتدلى مثل ثدي فارغ

هلسنكي ـ 2008



الأربعاء، 5 مارس 2008

النفق والهذيان


ـ على كل مواطن ان يكتب رواية ـ

يقولون : كن نفسك. بمعنى كن هذه الهلوسة. حسنا، ها أنذا قد صرت قطعة واحدة فقط من مكعبات هرم نفسي الغامضة ومن دون حرج. اذا تحملوا الرائحة رجاء !
جاء في دستور سفينة نوح الجديدة أن على كل مواطن أن يؤلف كتابا أو يحفر قبرا.أنت محظوط ، فقد تعلمت القراءة والكتابة في المدرسة من دون مشقة كبيرة. والآن في يدك فأس وزب حمار سادي. أنت عامل ورقي في مطبعة المدينة السرية. أنت قادر الآن على الدفاع عن النفس، وتكتب بطريقة حيوانية أصيلة. تبا للكتاب ومؤلفاتهم الأدبية. تبا لكل من يريد الجلوس في صفوف الأدب العالمي. الكتابة هي من أجل المتعة والدفاع عن النفس لاغير. تبا لفئران كافكا ، خراء على سحر واقعية ماركيز، وليطبخوا بدهون قصائد بودلير العدس للفقراء، اما تمثال السياب فليجروه بسيارة عسكرية مثلما جروا تمثال الدكتاتور في ساحة الفردوس...
ـ استغفر الله ربي وأتوب أليه ...
أنهم منافقون، يعيدون في كتبهم طباعة أغنية واحدة قديمة تتحدث عن الانسان الذي حلم به. وهذا هو مجرد خنزير وإبن زانية. إنهم طواويس الذكاء الوقحة. والدة ارنستو ساباتو كانت تقول إن الزمن هو المعلم ، وهذا يكفي. يجب أن تكتب أمي رواية تنافس فيها روايات الساحر المشعوذ باولو كويلو ، فهذا دجال أعاد حكمة الكسل الديني الى الرواية.
على الجميع أن يتبادلوا الكتب بدل تحية الصباح. على الجميع الكتابة في أوقات الفراغ والعمل أيضا. أن تكتب حين تسحب بملقط ، شعرة صغيرة من أنفك. وأنت سيدتي، حين تعدّين السلطة ، أحتفظي بكومة من الأوراق بالقرب من سكين المطبخ. وبعد تقطيع كل حبة طماطة، أكتبي سطرين. بعد شهر واحد من أعداد السلطة سيكون عندك كتاب جيب صغير. ويمكنك أن تساهمي في المكتبة البشرية وتعرّي الحقيقة الأدبية الباردة. سيدة مثلك أسمها ايزابيل الليندي تكره منظر الكتب الكثيرة اليوم في المكتبة، وتدرك أن المنافسة أصبحت خطيرة. هي خائفة على الكرسي الذي حصلت عليه في ماخور الأدب. أكتبي ياسيدتي كي نثبت لهم ان إنجاز كتاب هو محض إطلاق آهة جنسية. بعد كل مضاجعة دوّني ملاحظتين. وبعد عامين سيكون عندك أشهر كتاب بعنوان : ملاحظات زوجة بعد ممارسة الجنس. أنا أدعو لفتح دورات مجانية في الباصات ودورات المياه وفي البيوت لتعليم الكتابة. كيف يمكنك أن تجمع كتابا من مخلفات كل يوم. كتابا مأخوذا من سلة مهملات الزمن. سنرسل مندوبين مثل جماعة ( شهود يهوه ) الى كل مكان، و مثلهم سنطبع مجلة بعنوان ( إستيقظ ْ ) ، لتعليم الكتابة والصراخ. إستيقظ أيها الأنسان ، أستيقظ وأكتب كتابك قبل فوات الآوان. ولكي تملك المراس أذهبْ الى كورس لتعلم القتل. فهو أيضا كتابة جريئة وقذرة. القتل وحده هو الكتب المنقوعة بأكسير الحياة. أنا أمزح . فإياك أن تقتل إلا إذا دعت الضرورة. دوّنْ يومياتك عن المرحاض بشكل منتظم ، وستكون لديك سلسلة كتب عنه و أكيد أنها ستحقق الشهرة ، أي لتكن ملاحظاتك ملاحظات قاتل غير نادم. ستجاور مجلداتك مجلدات المريض دوستويفسكي. تبا لهم، تبا لريلكه الرومانسي، وتبا لبورخيس العجوز، الأعمى الذي يلهو بالكلمات ويصنع منها أحجية للضحك. أنت أيضا ساحر وجميل. إجمعْ الصحف كلها، وأكتب دراسة عن أحاسيسك حول أخبار الموت. إستعن بالكمبيوتر، بمحركات البحث في شبكة النت ، وقم بجمع كل ماقيل عن العلاقة بين الجنس والله. سيكون عندك كتاب الى جوار كتبهم السميكة والحكيمة والفاسقة. سيكون لديك كتب مثل : الطريق والمحاكمة ومائة عام من العزلة وخفة الكائن التي لاتحتمل ، وستكون عندك قصيدة بعنوان شمس في بنطال، ولم لا طالما أن هناك واحدة عنوانها غيمة في بنطال. ليكتب الحمقى والمتعبون والفاسقون. والخراء كله على جوائز الآداب. وخراء مضاعف على جوائز السلام. فليكتب المنحوسون ولتكتب عاهرات الفنادق الرخيصة. ليكتب العجوز رواية عن التجاعيد. وليكتب المحكومون بالاعدام مقالات عن الأمل.
عندنا في البلاد ، يطالبون بأن يتحول الدم الذي يسيل الى روايات واقعية عالمية. فلربما الدم وحده مادة روائية محلية وتجريبية. سينطلقون قريبا من محلية الدم الى النجوم. ستكون كل طاسة دم حبرا لصفحة من رواياتهم العالمية. المثير للسخرية أنهم يتحدثون أكثر مما يعملون. يرفعون شعار: بالدم والحزن والواقع وحده تكتب الروايات العالمية العظيمة. في حين ان الروايات يمكن ان تكتب بالخراء وكوابيس السلام أيضا.
على كل مواطن ان يكتب رواية، وعلى الجميع أن يصرخوا وأينما كانوا : أنتم أغبياء وسفلة...
أخرجْ رأسك من سيارتك وأصرخ: أنتم أغبياء وسفلة. يجب ممارسة هذه الرياضة بطريقة جماعية في ساعة مبكرة من الصباح. تقف المعلمة في الصف وتصرخ: أنتم أغبياء وسفلة. يرد الأولاد: أنت سافلة وغبية. بائع الفاكهة في الساحة يصيح: أنتم أغبياء وسفلة. النادلة في المقهى تصرخ ، والزبائن يصيحون. الجميع يصرخ سوية في كل مكان وفي كل زاوية: أنتم أغبياء وسفلة، الى أن تصعد الأصوات البشرية سوية مثل غيمة القنبلة النووية ، ببطء تصعد الأصوات الى السماء، ومن ثم تمطر أصواتا نارية : أغبياء وسفلة... أغبياء وسفلة ... أغبياء وسفلة ...
أغبياء وسفلة. هي تصلح عنوانا لكتابك القادم. كتاب يتحدث عن الحب مثلا وعن سفالة الأنسان. ننصح بأختيار العناوين القذرة والمباشرة والأبتعاد عن العناوين الشاعرية. لأننا لسنا شعراء، ولسنا أدباء نتبختر ونلطم على مأزق الوجود. نحن مجرد مواطنين يريدون أن يكتبوا. مواطنين ضجرين، نتدرب على الكتابة والقتل. بمكنتنا أن نبدع كتابا بكل الوسائل والطرق من دون أن نكون أدباء في سوق الكتب. نحن نطبع الكتب على ورق رديء، وبامكانياتنا المحدودة. نحن مواطنون نكتب في المدوّنات المجانية على شبكة النت عن كل شئ من دون مراعاة قواعد اللغة ومشاعرها. نحن مواطنون مجانين، لا نحتاج إلا الى اصدقاء قلة لقراءة كتبنا. وإذا أعجبهم مانكتبه، فليطبعوا هم ملايين النسخ، وليصفوا كتبنا الى جانب روايات فوكنر وتولستوي وحتى أغاثا كريستي.
لاتقلقوا ، ليس هناك حقائق أو مهام نبيلة للكتابة، فهذا محض هراء. الحقيقة الوحيدة هي أننا نولد ونموت، وبين هذين القوسين يحدث ما يحدث، نحن مواطنون سيئون نريد أن نتعلم الكتابة من دون معلم ، وأن تكون لدينا مجاميع شعرية وروايات ودراسات في المكتبات العامة. وكل مانحتاجه هو المزيد من أصناف المخدرات والحبوب المهلوسة والكحول والقتلة وحبرالضحايا الأحمر...
يبدو أن الانسان قد سبّب للأرض صداعا شديدا. وها هي درجة حرارتها ترتفع في كل ثانية. هم يخشون أن تتقيأ قريبا بصورة جنونية. نحن بحاجة الى عودة آلهة الاساطير. وأن نقدم القرابين والنذور للريح والنار. هذه مادة دسمة أخرى لروايات هذا القرن. إستعدوا !
حاجتنا الوحيدة هي الى الورق. ورق الكتابة، ورق التواليت، ورق الاشجار، ورق الكمبيوتر المفترض، الجلود – الورق، الطين، الحجر الذي حفر فيه الأقدمون. أنا مغرم بكل أنواع الورق. بمقدوري السجود لحيوان من ورق، أن أبيع أهلي في سوق العبيد مقابل رزمة من الورق.
حين ينفد ورق التواليت جفف كس حبيبتك بجبينك. أكتب فصلا عن هذا الموضوع . أن يكون لديك غرفة وباب يقفل وإمرأة طويلة تحب ان ُتضاجَع أربع مرات كل ساعة وفكرة ٌ لم تتبلور بعد عن الورق، أن تكون رجلا مسكينا أراد أن يكتب قصيدة خاسرة. عليك الإسراع بتلطيخ الورق من كل ما يقطر حواليك. وكل ما تحتاجه الآن ورقة وفكرة متواضعة وليس المزيد من المخيلة. ومثل برغوث ياباني متشبث بفكرة الجمال نط َّ وإلتصق بالورقة. مثل رجل عار يجلس تحت أمرأة نائمة يزهر عريها بثورا وأوراقا وعصافير ميتة. هل أخذت حبيبتك تشخر، هل تنام على بطنها. القلم بين أصابعك. الورقة نظيفة وتفتح ساقيها بحب وتواضع. أنت تحتسي تحت ظلال شجرة الدم الانثوي ! ومن ثم تكتب عن أمرأة من لحم ودم :
عند الكتف توجد شامة كبيرة، بشعة. لونها لون ظفر محروق. حولها تناثرت شامات أخرى صغيرة. واحدة متوسطة، حجمها بين الكبيرة والصغيرة. شكلها أقرب الى النجمة، لونها قهوائي هادئ. لو أزحنا الشعر الذي يغطي الجزء الآخر من الكتف، سنعثر على سرب من الأنتفاخات الحمر. أشترت المرأة من الصيدلية دواءا لا نفع منه. مهلا، لا داعي للعجلة والأنتقال الى مؤخرتها. مازال الطريق طويلا الى هناك. تحت الكتف كل شيء هادئ مثل سماء صافية. منطقة وردية تتنفس فيها الحياة الآن. عند الخصر في أنبعاج الظهر يوجد حقل من الزغب الأصفر تزداد كثافته بنعومة صوب خط العمود الفقري ، صوب الثقب الذي ينتظر وصولنا إليه. يمكن أصطياد بعض الشامات الصغيرة جدا في حقل الزغب. لكن بدل ذلك دعني أجرب لك رائحة هذا الحقل. قرّبت أنفي بحذر كوميدي من ظهرها وأنا أستنشق اللحظة بعمق. ماذا تريد ! أرجوك ، لا تيأس ! ستكون هناك روائح من تلك التي تتخيل. عند الزغب لا رائحة تذكر. لكن إن أحببت ! ، رائحة مثل باطن كف طفلة جائعة. هل بقربك زجاجة ويسكي أو فودكا ؟ نحن الآن نصعد من الأنبعاج الذي يستريح فيه الزغب الى بداية التلال. لحستُ هذه المنطقة مرارا كلما ركبتها مثل حصان. عند بداية التلال كل شيء ناعم الملمس. يمكن أن تدعو مجموعة طيبة من رجال الشرق للتزحلق والتسلية. اللحم المشدود هنا يستحق لمسه الآن بطرف الأصابع للتأكد من بهائه. أخشى أن تنقلب على ظهرها قبل أن نكمل السوح. ربما تحلم هي. تحركت حبيبتي ثم هدأت. ربما السبب لمسة أصابعي. في الشق زغب أسود. هو قليل جدا لكنه ضروري مثل غيمة يتيمة في السماء. التلال مكتنزة. ولو صفعناها لإرتجت بطيئة ً مثل موجة مرسومة في لوحة. يمكنك أن تضع خدك الأيسر هنا كي تحس بقيمة العالم. هو مكان مخصص أيضا للنزهة بعد منتصف الليل، تماما مثل نزهتي الآن. كما أنه سجادة لأداء صلاة الفراغ وغار للتأمل وكتابة الآيات الوقحة. في الشق. جرّب أنت ! رائحة مسحوق العرق مع الكثير من الرمل المطحون. الثقب هو ما يضيء في هذا المخبأ كما لو أنه نصف خوخة مقسومة بكل دقة. أنظر اليّ. أنا أترك ُ القلم والورقة. أتمدد بالمقلوب فوق المرأة حبيبتي. يكون خدي الأيمن على وسادة الثقب. تتأوه هي : أوه حبيبي. هل نمت ...
- لا حبيبتي نامي... أنا أحلم فقط .
أحلم بانني أدخل في ثقب الخراء بكل جسدي. سأزحف الى عتمة الرحم وأعثر على المزيد من الورق. سأكمل الكتابة وصولا الى العنق من داخل الأحشاء. سأخرج في الصباح متزحلقا على لسانها حين تنقلب فوق ظهرها. سنزحف من أصابع قدميها الى أنفها الجميل. لنلصقْ على الورق بعض ما يستحق وما يمكن تدوينه ساعة الأنشطار بضربة قاضية من الفراغ الذي يخلفه جسدان يسكبان صمغ روحيهما الأبيض. وهذا كل ما عليك ان تفعله مع الورق إن كنت تنتمي بالوراثة الى موسوعة الطقوس اليابانية الكوميدية أكثر من الشعر. ثق بأن الورق يستحق أسوأ من ذلك بكثير.أرجو ان لاتتورط في كتابة نهاية دينية لطيفة للتأريخ ، وأن تقدر قيمة الورق.
يمكنك أن تكتب عن كل شئ وعن اللاشئ. يمكنك أن تكتب بطريقة القوّاد في أصطياد الزبائن. ويمكنك أن تغوي الآخرين مثل رجل دين مدرَّب على التبشير. يمكنك أن تترك أثرا على الورقة مثل أثر أقدام الطيور عليها ، ويمكنك أيضا أن تترك أثر قذيفة مدفع تسقط مباشرة على رأس جندي في مطلع الشباب. كل شئ مسموح به. فالكتابة هي الارض الوحيدة التي يمكن فيها صنع الأحلام وتحقيق جميع أمنيات الانتقام من دون حدود. ليس هناك من شرط للهذيان ولا قانون واحد للحب.


رواية أخرى :

كانت هناك جائزة إلهية ثمينة لمن يفسر الانسان

جلسنا نكتب ليل نهار

صار عندنا اولاد ومكتبات وأزمان ومقابر

لكن أحدهم جاء وقال إن الله والجائزة مجرد خدعة

عدنا الى الغابة وقررنا القتال حتى الموت


يعود الفضل في تأسيس جمعية الدفاع عن المنحوسين لتلك المقاطع من تقرير سفينة نوح الذي كتبه رجل مريض. أما نحن أعضاء الجمعية ، فلسنا سوى مواطنين أجتمعوا من أجل تأليف الكتب حسب وصايا الرجل. بالرغم من إنحراف الأهداف الاولى لجمعيتنا عن مسارها، بسبب كتاب أنضموا الى الجمعية وصارت لهم فيها سطوة ونفوذ. لقد أعادوا للكتابة مرة أخرى نبرات الأدب المملة. انهم يلقون الخطب عن المعايير الذهبية للأدب. أما متى بدأ مرض الرجل الخرائي ، فهذا المأزق قد تفاقم بعد زيارته الى دكان بيع الكتب في سنوات الحصار الاقتصادي. في تلك السنوات تفشّت الهلوسة وتفاقم الرعب. اخبرني الرجل المريض بأنه بحث عن رواية أرنستو ساباتو ( النفق ) حين عزم على كتابة تقرير سفينة نوح. وهذه قصة بحثه عن ( النفق ) :


دخل الرجل عند الظهر في أحد ايام شهر آب الى دكان صغير في شارع المتنبي. كانت الكتب قد صفت عموديا وبدت مثل ناطحات سحاب صغيرة من الافكار والرؤى والحماقات والدجل والشعر. وفكرت : كيف هو سحب كتاب من ناطحات مكونة من خليط من الكتب غير المصنفة. كان صاحب الدكان يراقب الرجل بطرف عينيه متظاهرا بتدقيق الحسابات في سجل ضخم على الطاولة. مرر الرجل أصبعه على عناوين كتب احدى الناطحات: تعلم الفرنسية من دون معلم، السماد الحيواني، القومية العربية، أفضل عشر قصائد غزل من الشعر الجاهلي، موسوعة الأمراض النفسية، محاولات اغتيال الرئيس، السيّاب، قصص من الحرب ، هارون الرشيد، اللامنتمي، تأريخ العراق المعاصر، البنيوية، الأمير، طرق مكافحة البعوض، سيرة النبي، هاملت، أشعار عبود الكرخي، إبن سينا، البتروكيماويات، فهم السينما، الإمبربالية، في انتظار غودو...
رفع الرجل أصبعه عن العناوين وسأل:
ـ المعذرة ، أبحثُ عن النفق ، أرنستو ساباتو
ـ أعتقد .. .أمممم ، ربما لدي آخر نسخة ...
أقترب صاحب الدكان من ناطحة مجاورة لتلك التي بحث فيها الرجل، ثم مرر أصبعه على العناوين من أعلى الى أسفل، قرأ بسرعة: الجريمة والعقاب، سيرة الخلفاء الراشدين، المملكة السوداء، محركات السيارات، ميشيل عفلق، موت في البندقية، المقامات العراقية ، المسيح يصلب من جديد، المسخ، رياض الصالحين، المسرح الملحمي، النفق ....
وسحب ( النفق ) بسرعة من دون ان تنهار أو تهتز البناية. وضع الكتاب في يد الرجل وهو يقول :
ـ أنها النسخة الأخيرة.
قلب الرجل صفحات الكتاب ثم بحث عن سعر الكتاب على الغلاف.
ـ الف وخمسمية دينار.
ـ هل هذا آخر سعر ، أم ...
ـ أنه سعر نهائي
ـ شكرا. سأبحث عن ( الجريمة والعقاب ).
أثناءها دخل زبون اخر .
ـ أظن أن جرائم دوستوفسكي هناك. أشار صاحب الدكان الى بناية غير عالية.
عندما كان البائع يتحدث مع زبونه الجديد ، رفع الرجل قميصه بسرعة خاطفة وحشر ( النفق ) وراء حزام بنطاله. ثم تظاهر بأنه يبحث عن ( الجريمة والعقاب ). كان للزبون مظهر طالب جامعي مريض، قميصه أبيض، ويتعرق بغزارة ، و يتلفت مثل المطارد يمينا وشمالا.
ـ النفق - قال صاحب الدكان - اعتقد ... أمممم ... ربما لدي آخر نسخة.
جمد الدم في عروق الرجل ، وهو يتطلع الى البائع الذي أخذ يبحث من جديد في تلك البناية. ياربّ القرود الأحول ! إذن ستكشف سرقته من دون شك.
أخذ البائع يبحث عن النفق وفق تلك الطريقة . كان قلب الرجل يخفق بجنون. كما إستغرب من أن البائع نسي بهذه السرعة مكان الكتاب. لكن الغريب والمفزع قليلا أن البائع أخذ يقرأ بسرعة أيضا عناوينا اخرى: كل شئ عن النحل، نهج البلاغة، الحرب والسلام، أنغمار بيرغمان، أدب قادسية صدام، الموسيقى العربية، الغثيان، انطون تشيخوف، الاعشاب الطبية ، أوديب ملكا، ميشيل عفلق ، النفق ...

سحب ( النفق ) بتلك السرعة وأعطاه للشاب:
ـ أنها النسخة الاخيرة المتبقية في الدكان ...
قفز قلب الرجل حين رأى ( النفق ) بيد الشاب. بائع محتال ! يتظاهر بانها النسخة الأخيرة من الكتب .
التفت صاحب الدكان الى الرجل : هل عثرت على الجريمة ؟
ارتبك الرجل :
ـ لا شكرا .. سأعود غدا .. شكرا لك على المساعدةحين هم الرجل مرتبكا بالخروج من الباب زاحمه عند الباب رجل بدين بحجم الفيل يمسح جبينه بمنديل بني اللون، ويلعن ( أبو الشمس ) العراقية :
سمع الفيل يسأل البائع :
- النفق...
وتكرر المشهد، إلا أن البائع اخذ يقرأ عناوين أخرى هذه المرة أيضا: ألف ليلة وليلة، السينما التسجيلية، متاهة الوحدة، الشيخ والبحر، في سبيل البعث، ناظم الغزالي، الحركة الصهيونية ، الامتاع والمؤانسة، فان غوغ، الثروة الحيوانية في الوطن العربي، الباب الضيق، النفق.
ثم سحب النفق ووضعه بيد الفيل. كرر ما قاله قبلها :
ـ إنها النسخة الاخيرة المتبقية في الدكان.
ألتفت صاحب الدكان ببطء كما في الأفلام السينمائية الى الرجل المدهوش الذي ما زال واقفا في الباب. إبتسم وهو يكشف عن أسنان بشعة هدمت بفعل ريح شريرة. غادر الرجل المكان وهو يشعر بالحنق.
اما التقرير عن سفينة نوح فمازال الرجل يحاول إكمال كتابته مع أن الهذيان يحاصر اخر زاوية تعمل بالمنطق في دماغه. ولولا الخجل من القراء لنسخت لكم الفصل الاول من التقرير. لكنه في الحقيقة مثير للتقزز. على سبيل المثال، اليكم هذا الهامش القصير من هوامش الفصل الاول فقط :
أسمحوا لي أن أمد أصبعي للمرة الأخيرة في زرف الخراء وأخطّ لوحتي، ولن يعنيني بصاقكم ونعتكم لي بالتفاهة ، لاتعنيني شتيمة ( الخنزير القحبة ). أنتم عاجزون عن أن تكونوا أكثر طهارة. أما أنا فلا أريد سوى رسم ما أشتهي: خطا من الخراء لاغير - على كل الطاولات والأسرة والملاعق والمناشف والسقوف. خط خراء على شواهد قبوركم وقبلها على خبزكم. خط خراء سميك على قتلاكم وأنبيائكم. على غلاف كتابكم المقدس، وخط خراء أسود على قلب المسيح. على حروبكم وسلامكم. وخط خراء متعرج على أرحام زوجاتكم . فوق طمأنينتكم وصفحات تاريخكم. خط خراء مستقيم على خط الزمن الأعوج. فوق أشرعة المراكب وفوق ساعة الغروب. فوق قمصانكم وعلى جلودكم. خط خراء دائري على رقبة القمر. مثلث على رقبة العائلة. وفوق أغلفة الكتب خط خراء بحجم المجرة، على عذابات الأحياء وأبتسامات الموتى. هكذا يمكن الحصول على كتب سميكة عن الخراء. الرائحة مصدر طيّب للسعادة. الرائحة هي أصل الأنسان. الأنسان خلق من رائحة عبثية كان الشيطان في الجنة الاولى يرشها في أبطيه قبل مضاجعة شجرة التفاح ...


ـ أنا آسف جدا على هذا الهراء ... حاولت أن أكون نفسي، لكنني أخطأت ودخلت في بيت مظلم آخر ...



2007 هلسنكي

تعال ايها الديناصور






أبسط يدك الدبقة ، مس جبيني
قس درجة حرارة التعب ايها الموت
لا تجلس بكسل مثل ديناصور في نهاية الممر
لا تتثائب ، أنني ارآك. تعال ، تعال وداعبني...
عض رقبتي، دعني أطبع كفي على جلدك البارد
اعلموا انني حين أموت، سأبقى حزينا الى الأبد ومشتاقا اليكم
مشتاقا إليكم جميعا، ايتها الزاوحف، ايتها البطات، ايتها القملات
أنتم جميعا من دون استثناء، يا عمال المحرقة
تعالي ايتها الريح واكسريني ، لقد تيبست....
الرطوبة أكملت حفرياتها في عظامي ، تقدمْ أيها الزلزال
أخبرني يا موت، بأي حيلة ستدخل باب قلبي وتخلع نبضه
اقول لكم بأنني لن اسأمحكم ،
وانني سأشتم كل يوم تعيشونه من دوني...
ها أنذا أصرخ لاعنا من هناك ، هل تسمعون؟
أيها الحب أنت خبز محروق قرب بئر فارغ
أيتها الكلمات التي لامعنى لها ، كوني خبز الموت وبئره
تعال ، تعال ايها الأنسان ، عانقني قبل ان يحرموني من عطرك
أنت نتن جدا ايها الأنسان، لكنني سأشمك مثل زهور المريض
مد لسانك ايها الديناصور في فمي ، ماهو طعم لعابك ايها الأب الوقور
اسمعوا وصيتي حتى النهاية، لاتبكوا قبل أن أنطق بآخر حرف لي
دعوا صوتي وحده يملأ الهواء، دعوه يتبجح للمرة الأخيرة
ايتها العصافير خذي حنطة جسدي بدل الدود
انني أعتذر منكم، أعتذر عن كل بصقة لفظتها فوق طعامكم
اعتذر لأنني مت من دون ان آخذكم معي
تعالي ايتها الشمس، اضربيني مثل أم قاسية
تعالوا جميعا وفي أيديكم السياط
تعالوا لكي أتذكركم، ايتها الكلاب المسعورة
تعالي ياامي وابكي عند رأسي، فأنت وحدك من يبكي مثل الله
تعالوا يااخوتي الساديين
تعالن ياخواتي المشعوذات
اعزفوا في أبواق كبيرة قرب وسادتي
وانقروا على طبل من صفيح ..
حركْ ذيلك ايها الديناصور العتيق
تقدم وأنت ترقص كهندي أحمر
تعال وامضغ عظام الأرنب الذي يرتجف تحت خصيتيّ
لاتمطري ايتها السماء حين يدخل الديناصور
أتركي للشمس مكانا في غرفتي
خذوا كل حاجياتي، لاأملك غير مسودات حكاية وأغنية
سأعاتب كل الاموات في المقبرة،
على صورهم الفوتغرافية التي نسوها على الحيطان
قلت لحبيبتي تعالي نلعب
تعالي كي أخرج المارد من جسدك بأصبع واحد
لاتقرئي، لاتمشطي شعرك، لاتعدي الفطور،
لا تشاهدي التلفزيون، تبولي في حديقة الزهور، قلت لها ايضا
وقلت للصديق: نخبك
وللشياطين كتبت قصائد
واشتغلت نادلا في بيت لصوص وقتلة
وللأطفال قلت حزورة
تشرب من الدم ويعميها الدخان
البعوضة، كانوا يصيحون....
والأنسان يعميه الجشع، كان جدي يقول
هذا كل ماكان بأمكاني فعله ايها الديناصور
تعال ايها السرير
تعالي ايتها المدفأة
تعال ايها الشرشف
تعال ايها الأب الجليل
ــــــــــــــــــــ

- يقال ان نيتشه حين مات ، ظهر في السماء ذئبا، واخذ يعوي من شدة الفرح ...
ويقال ان الأموات يتداولون كل ليلة فكرة العودة من جديد، لكنهم ينتظرون أن يكتمل العدد .....

قصة تتحول الى شعر من دون سبب





بداية الطفل

كنا ننتظر وصول التوابيت على حافة الطريق العام. كنا أنا وباسم في سن الثامنة. وكانت الحرب مع أيران في عامها الرابع. التوابيت ملفوفة بالعلم ومربوطة جيدا فوق السيارات القادمة من جبهات القتال. كنا نريد ان نصبح كبارا، لأن الكبار كانوا يقفون عند مرور التابوت رافعين أكفهم بوقار وحزن. وكنا نحيّي الموتى مثلهم. واذا ما انعطفت سيارة موت في حينا، عدونا وراءها في أزقتنا الموحلة، وكان السائق يبطيء السرعة لئلا يسقط التابوت. ثم تختار السيارة باب بيت نائم لتقف قبالته. عندها تخرج نساء البيت وهن يصرخن ويرمين أنفسهن في برك الوحل ملطخات ٍ الشعر بالطين. أما أنا فأهرع ورفيقي ليخبر كل واحد أمه بأيّ باب وقفت سيارة الموت. وكانت أمي ترد عليّ : أذهب وأغسل وجهك ، أو : أذهب الى جارتنا أم علي وإسألها إن كان لديها قليل من البهارات. وفي المساء تلطم وتبكي أمي مع نساء الحي في بيت المقتول.
ذات يوم جلست أنا وباسم بأنتظار تابوت. كنا نأكل حبات عبّاد الشمس. إنتظرنا طويلا وكدنا نفقد الأمل ونعود الى البيت خائبين ، حين لاحت لنا أخيرا سيارة الموت قادمة من الأفق. عدونا خلفها مثل كلاب سعيدة ، وكنا نتراهن على من يسبق السيارة التي توقفت في الأخير أمام بيت باسم الذي خرجت أمه وهي تصرخ بسعار، شاقة ً ثوبها في بركة الوحل. تسمّر باسم بجواري وهو يبحلق بذهول. إنتبه اليه أخوه الكبير وسحبه الى داخل البيت. أما أنا فركضت الى حضن أمي باكيا بحرقة. قلت : أمي ، مات أبو صديقي باسم. قالت : أغسل وجهك وإذهب الى الدكان ... أجلب لي نصف كيلو بصل.




بلاد الطفل

كنت قد ولدت في بلاد ٍ يطالب الجميع فيها بالثأر من الحاضر. كانوا يصرخون من المنابر : كتاب الله والشريعة... كتاب الله والشريعة. وكان الشعراء والفنانون يهتفون في الصحف : التراث ... التراث. وكنت كلما ألمس الله والتراث ، يتقرح قلبي وتتعفن اصابعي. كانوا مجروحين، يحلمون بتطبيب الألم بعظام الأسلاف وبخور القبيلة. وكنت أفكر بالروح والموسيقى والحلم وأرتطام الجسد بالجسد وبهذا الكون الذي كلما قطفنا منه زهرة ازداد غموضا ووحشة. كانوا يصيحون في وجهي : الجذور ... الجذور. لكني كنت معلقا في الهواء ، وكانت جذوري الكوابيس. لقد ولدت في مقبرة جماعية. في الليل. من زواج جثتين. الوهم والماضي. وكانت السماء بلون الدم.




بقية عمر الطفل

كان بودي ان أكتب قصيدة أقل شأنا من الشعر، وأرفع منزلة من الخوف. وكان ذلك بداية الهواية. كان العالم حينها يبدو تابوتا ، وكنت مشغولا بتعقب أحاسيسي مثل ضرير. وكانت المقبرة مدرستي الليلية.

نقول : كان يصارع الموت. وكأن الموت ثور. نقول أيضا : لقد داهمه الموت. كأن الموت فرقة اغتيالات. حين كنت يافعا حلمت بأنقاذ الغرقى. لذا أردت أن أتعلم السباحة عن طريق الكتب. يقولون : جاءه الموت. كم من المسافة قطعها مندوب السلام هذا كي يزوره ؟ نعم ، كان الموتى يتناسلون من حولي. بعضهم كان يشيخ وآخر كان ُيقتل.

لاحاجة الى تمجيد المطر في قصيدة. فكل الفصول هي أنت. الغيمة رمز. والغضب سماد القصيدة. عود الثقاب المبلل لايتكلم. المخيلة تسعة وتسعون متظاهرا يهتفون ضد المعنى. المخيلة مثل أسماء الله ينقصها أسم على الدوام . المخيلة تكره الله بسبب المعنى.

لا أحلم في الليل، فأنا لا أنام. أتعذب واقفا في الحديقة عند شجرة عملاقة. أتخيل الموت يدق، بمطرقة، أبواب العالم. وحين لايفتحون له، يدخل من الشباك. لذا نقول بأن الموت قد إختطفه. الحياة لاتعنيني. بل تعنيني مدرسة الغرق. نقول : رحل مبكرا. لكن أيَّ حقيبة أخذ معه في رحلته العاجلة هذه. فلاسفة يقولون إن الحقيبة كانت فارغة. رجال دين يقولون إن الحسنات كانت ملؤها أو السيئات. أما العلماء فيقولون إن الخلية تفقد اعصابها وتنفجر في نهاية المطاف. بعضهم يقول إن تجربة الحياة على الارض كانت فاشلة منذ اللحظة الاولى. أما نحن فنقول : إنتقل الى جوار ربه. لكن أيّ حمار ركب الى هناك ؟

يقول : تقبيل حلمة نهد المرأة يساوي العالم ، وآخر يقول : تأملُ تفاحةٍ مغسولة بالماء البارد هو الحقيقة. فالشعر تطرف وتعصب. عناد انساني مؤثر. الشعر يرقد في المستشفى في آنية الزهور قرب رأس المريض. السرير رمز. الزهور إيماءة وداع خبيثة. كانوا يقولون إن الشعراء يحرثون الهواء من أجل كفن أكثر كرامة من التراب. وكان بودي ان أنتمي بدل ذلك الى طائفة المنتحرين. نقول : شنق نفسه. ونؤلف كتابا عن العبث. وكنت أقول لابد من أن نقيم عرسا نرقص فيه عراة.

ومن يطيل التفكير بالموت يكتب قصيدة. ومن يطيل التفكير بالشعر ينتهي بالموت. ومعنى شاهد القبر : كان . ومعنى القصيدة : كنتُ.



هلسنكي – كانون الثاني 2008

خمسون رواية في دماغي






كانت السماء تمطر...

في طفولتي ، في عام 1983 سقط جناح طائرة حربية إيرانية على الزقاق المجاور. الدفاعات الارضية أصابتها من بين خمس طائرات أغارت على حقول النفط. جزء آخر من الطائرة سقط في مزرعة للبطيخ الأحمر. كنا نعيش في حي حكومي في مدينة كركوك النفطية. بيوت بنتها الحكومة للمنتسبين الى الجيش وفق تصميم واحد : غرفة نوم وغرفة استقبال وحمّام ومرحاض وحديقة خلفية صغيرة. كان الكبار يتحدثون عن بنت التصق مخها بالجدار إثر سقوط الجناح الذي سدّ الزقاق وهدم واجهات بعض البيوت. كل أطفال الحي سمعوا بمخّ البنت. قال ولد في المدرسة إن جسد البنت طار عاليا الى السماء من دون رأس ولم ينزل. بعد حادثة الجناح أخذت أغيّر طريق العودة الى البيت وأنعطف الى ذاك الزقاق. أستجمع انفاسي ثم انطلق قاطعا الزقاق بأقصى سرعة لمشاهدة مخّ البنت. لكني لم أره في كل مرة. كنت أزيد من سرعتي من غير ان التفت الى الجدار حيث مخّ البنت الذي كما سمعت كانوا قد أخذوه من هناك. كان الخوف يدفعني الى الاقتراب من مصدره والهروب منه في الوقت نفسه.

السماء تمطر. خمسون رواية في دماغي، لكني لا اقوى على كتابة قصة قصيرة واحدة. ليست السماء ولا المطر هما الاعجوبة. الاعجوبة هي اننا لا نزال نكتب عن ذلك من دون خجل. ماذا يعني أن السماء تمطر. هي كذلك، منذ وصول القرد الاول الى الكهوف. بالطبع قبل وصوله كانت تمطر، لكن لم يكن هناك شهود. لهذا يمكن القول إنها لم تكن تمطر الا بعدما خافت القرود. ما الفرق إذاً بين أن تكتب لقارئ أو أن تكتب لنفسك. لا أريد أن أشغل اسطوانة " لماذا أكتب " وأتحدث عن نافورة العبث الخالدة. أنا أبحث عن الفارق الذي لا أهمية له. الفارق بين أن تعيش من أجل الكتابة أو أن تعيش الكتابة من أجلك. العالم جميل، شاسع، ومخيف. لذا لا أقوى على النهوض من سريري. أنهض من أجل أن أكتب: أن أبطئ من نزيف الدماغ. رواية سميكة قد تكتب في ثلاثة أعوام أو ستة أشهر، في حين تذكر أيّ تخيّل لمثل هذه الرواية لا يحتاج سوى نصف ساعة أو أكثر بقليل. الكتابة آلة تعذيب لأنها تبطئ من عمل الذاكرة، محاولة قطنية لسد الثغرة النازفة في الدماغ. ولك أنت حرية الخيار: إما أن تتحمل مخالب ألة التعذيب وإما أن تحيا مرعوبا من فكرة أنك تنزف بلا توقف. لكن هل كتابة رواية أهون من تحمل الوحدة. الأرق الذي يعزف ليلا مثل هندي ينادي أفعاه. تفيق الذاكرة ثم تتلوّى مثل إعصار ضلّ طريقه في قرية فقراء، والسماء تمطر. يا للقرف. تمطر. علامَ تدل بالتحديد عبارة "السماء تمطر". ثم ما الذي تمطره: طين، قنابل، بلغم، حيرة، ضفادع، حالوب؟ هل يعني ذلك أن الماء ينزل من الغيوم، والبول يخرح من بين الافخاذ، والخراء يصب من المؤخرات، والطائرات تقصف ثم تسقط من السماء. كرهتُ قراءة الروايات بسبب هذه العبارات والصور التي تتساقط بلا رحمة فوق كل شبر من الارض. تمطرعلى عظام افريقيا، تمطر في رحم امرأة من الارجنتين، في قصص قصيرة من اليابان، تتغوط السماء فوق بغداد من دون ذنب، تمطر في رواية هندية لتغرق الاغاني الحزينة. تصالحت مع الشعر الغامض والرديء للتمتع بحل مغزاه ككلمات متقاطعة بدل كل هذا المطر. السينما أمرها يسير ويمكن فهمها من دون وجع الراس. هي مجرد فن للتسلية. أرجو أن لا يغضب السينمائيون، فقد ذكرت أنها فن، والتسلية فن، مثل عبارة " السماء تمطر". فالإثارة التي يتسبب بها جناح طائرة ايرانية ستتضاعف في السينما وحين يهوي برفقة المطر، بينما ما يهوي في الذاكرة يبقى غامضا مثل رسوم الاطفال. الآن من جديد: ما الفارق بين الأمرين، إن بقيت جالسا في سريري أتذكر مخ البنت الملطوش على الجدار، وأن اتوكل على الله وأنهض من سريري للكتابة عن المخّ. إن تذكّر مخ البنت قد يحتاج الى كتابة عشر صفحات. الصفحات العشر تفتح بابا آخر للتعليق على الصفحات العشر الاولى بعشرين صفحة أخرى، والعشرون تفتح دربا ترابيا مهجورا للعودة الى الماضي الأبعد بخمس عشرة صفحة أخرى. الماضي المهجور يفتح نفقاً صوب التأريخ. التأريخ ينقلب على بطنه ويحتاج حينها الى مائة صفحة لوصف بطنه. إيضاح هذا الحادث بحاجة الى خمسين صفحة للإشارة الى حكاية معاصرة كدلالة على الحادث. الدلالة بحاجة الى جيش من المهندسين لفك شفرتها. والمهندسون حكاية أخرى تقود الى الاطباء الذين أشرفوا على علاجهم النفسي، وهكذا الى أن يتم بناء ثلاثة أهرام متماسكة ومعجزة من فن الثرثرة: خافوا وتغوّطوا وماتوا. قلتُ إن الهرم فن، والثرثرة فن، مثل ثرثرة السماء المائية ومنذ شهود الامس حتى قرود اليوم. لكن أليس مرور المخ المحترق في ذاكرتي مثل نيزك مشؤوم أرحم من اصطياده بشبكة الكتابة. حسناً، ماذا لو لم يكتف مخ البنت بالمرور، والتصق في مخي الى الأبد. حيوان عاقل سيفضّل اصطياد النيزك ونزع ريشه في مزبلة الكتابة. المزبلة فن، كقاذورات السماء التي تتجمع في قلبي.

أظن أن السماء لا تزال تمطر. اليأس والسماء كلاهما ُيمطِر اللحظة. أدخل الى الحمّام. أمسك قضيبي وأنتظر. نسيت مخ البنت. اثناء خروج البول تذكرتُ مخ أبي الذي سكت في ظهيرة تموزية قبل أعوام. ما الفارق بين أن تتذكر وتتبول والسماء تمطر وبين أن تكتب عن ذلك. أمنيتي أن لا يكون هذا الفارق مجرد حاجة قطنية للتضميد وإلا لن أقوى على كتابة سطر بعد اليوم. في السرير أحاول تذكر ما قاله الكتاب الشهيرون عن مهنة الكتابة. ما الفارق بين الروايات التي ُكتبت والتي لم ُتكتب بعد. إنه شبيه بالفارق اللامرئي بين الأحياء والاموات. بين كل ما كتب وما سيكتب من جديد. أكيد أني سأتبرع بجلدي إذا كانوا بحاجة الى قطعة قماش لخياطة راية الفشل. ما أن عدت للاختباء في سريري حتى اشتد المطر في الخارج، تخيلت أن البنت تجلس الان على مقعد المرحاض من دون مخ تنتظر عودتي. اظن ان البنت تشعر بالوحشة وهي بحاجة الى رفقة. لا تقلقي يا صغيرتي، في ذاكرتي ألف مخ ومخ مهروس. سأجلب لك من صبيان بغداد اليوم رفيقا لم يتبقّ من جسده سوى رائحته في حضن امه. إن كانت الذاكرة معدة متخمة بالرعب، فالمخيلة طاحونة لا تشبع، هي الدجاجة التي تواصل نقر الارض حتى لو كانت خالية. لكن هل الكتابة عن هذا الموضوع بحاجة الى وقفة تأمل أم وقفة اخرى للتبول والتذكر. يمكن سؤال الطبيب عن ذلك أو البدء هكذا بكتابة رواية : كانت السماء تمطر...

هلسنكي - آيار 2007

صورة فوتوغرافية للمرأة التي دخلت المقبرة عارية








حين أصغي الى الماء الذي تغتسلين به في الحمام تستعد مخيلتي لرسم خطة أخرى لتلطيخ جسدك من جديد. ابدأ برسم الأشياء البليغة التي تدعكين الآن بأصابعك. سأنفخ فوق بظرك مرة أخرى مثلما ينفخ على الجمر ، ثم أصب فوقك من برميل عصير العنب. سألعق شرايينك حتى تبلغين الهيستريا. ستنامين ليلة ناعمة في غيمة أنفاسي. وحين تفيقين آخذ بشم جسدك العاري، المخمَّر منذ ليلة تحت شرشف برتقالي. لكن هناك شفرة الموت التي تجرح ذهني. ويحدث لي خلط بين اللذة والألم. يمتزج في قلبي الماء بالطين. وفي مخيلتي ترتفع مدخنة من وسط حفلة جنس جماعي.

أمراة عارية ، هي قضية شعرية تعني لي الكثير:
الموت كئيب الى الحد الذي لايطاق
ضرب المرأة أثناء ممارسة الجنس رياضة أخلاقية
ضربها الرجل رياضة واقعية
مضاجعة نساء بمختلف الأعمار فيه عافية و بركة
للزمن في سن العشرين مذاق هو غيره في سن الخمسين
الفارق كبير بين الفخذين
الموت حارس يراقب الجسد
الروح لص لا يجب معاقبته
والرغبة حصان يجب عدم ترويضه في مزرعة
تأوهات المرأة العارية يجب أن تطبخ في عدس الفقراء
خيانة المرأة التي تعشق هو فن الخوف من الموت في بعض الأحيان
خيانة وطن هي قضية مدرسية صغيرة
خيانة الشعر قضية مضحكة
خيانة الروح لا تغتفر
خيانة الروح قضية لا تنفعها قاعات المحاكم
أقول ايضا بأن مشهد المرأة العارية هو فأل حسن
والمني المخلوط بالحب قضية مخترَعة
تلتصق بجسد المرأة كي تثبت أن جسدك موجود ايضا
الله قضية معقدة مازال هناك مناضلون من أجلها
الله غير مسوؤل عن قضية الخيانة
الله نادم لأنه عاطل عن العمل – ليس لديه قضايا ملحة
الخيانة رياضة روحية لأكتشاف أسلوب انسانيتنا
مع أن مذاق الزمن يختلف،
لكن تقبيل فتاة صغيرة هو لذيذ مثل تقبيل سرّة أمرأة في سن اليأس
لنقل بطريقة كسولة إن الموت مائدة خشبية
والمرأة العارية زجاجة عطر
والزمن حكم ُ ملاكمة وهمية بين جسدين عاريين

في مضاجعة البارحة ، هل شهقنا سوية مثل وليدين من بطن واحدة ؟ كنت أدفع بحبٍ وأنتظر عسل دمك المصحوب بصراخ الغابة. كنت أفكر: أنا ريح وأنت طاحونة قمح. كنت أجمع الفراشات من بظرك بطرف لساني. هذه الصور، غير موجودة في ألبوم الموت يا حبيبتي. حلمة نهدك حين تتجمر بحاجة الى صورة فوتوغرافية. علينا ان نحتفظ بجميع صور الحب في دولاب العبث ونغني. الموت ياحبيبتي ، قضية عادلة. أحلم ان السماء تمطر فوق قبري. وأحلم ان نهديك يصرخان حانقين في وجهي. الأحلام قضية نبيلة بحاجة الى حفظها في ثلاجة الليل من أجل أن لا يتفسخ النهار.

إنطباعات شخصية عن الشعوذة











لطالما تحسرت في حياتي على إمكان الإمساك بإحساس المحتضر أثناء الكتابة. أن تكتب كأنك ستموت ما أن تضع النقطة الاخيرة. لكن مثل هذا الإحساس لم يكن في متناول اليد وفي مثل هذه السهولة، فالحياة ندٌّ للموت، ولا يمكن أن تسمح لكائن لا يزال يتنفس ومهما تكن حدة يأسه، بالوصول الى مثل هذه العتمة الخالصة. فلا بد لها ـ الحياة ـ من أن تترك برعما صغيرا من الأمل في قلب الانسان: أن تحول دون أن يتسوس نهائيا. هي بكتيريا مضادة غير مرئية: بكتيريا الوهم. ثم تبددت فجأة من سماء حياتي هذه الافكار الصغيرة عن الكتابة. ذات مساء شتوي بارد وانا في طريقي الى هجر السينما التي حاولتُ الكتابة من خلالها أيضا لكن من دون حظ يُذكر، تعثرت بوحشة مرّة، كانت ملقاة على قارعة الطريق، ضحكت كثيرا ثم صمتُّ فجأة كعبقري مزيّف: الكتابة هي مجرد صالة متواضعة لممارسة الشعوذة، وليست ماكينة لصنع الحياة أيها الأحمق! وهكذا، أعيش حياتي اليوم مثل من يحاول أن ينفخ روح زهرة في جسم ضفدع. ومن يدري بأي حفرة سأتعثر في صباح الغد. الدروب بالغة الغموض ومصابيحها محض خدعة مسرحية.


•••



أن تكتب، يعني أن ُتخرج الإحساس الى الهواء في حالته المسخ، وقبل أن يمر بالدماغ وقبل أن يصل الى الورق. أن تخرج تلك الدودة من قلبك كما هي، طرية تفوح منها رائحة الدم الملوث، من دون خجل ومن دون أن تلبس الدودة ربطة عنق أدبية. والأجدر أن تكتب في زمن السلم بهذه الطريقة أيضا. هذا ما قلته لصديق يحب اللغة أكثر من الشعر. ومن قال له إن الشعر يكتب بالكلمات فحسب. الشعوذة هي علم الاحلام وليست فن الكلمة.



•••



خراء ... خراء ... خراء ... خراء ...



الكل يريد أن يعرف لم ألطخ الورق كثيرا بهذه الكلمة المقززة. لقد أخبرتكم بأمر المرحاض ألف مرة. ماذا ، هل أنا مصاب بإسهال ، ألا يمكنني استبدال هذه الكلمة بكلمة أخرى تؤدي الغرض نفسه لكن برائحة مكتومة على الاقل ؟ اليكم السر الذي لم يعد سرا ، فقد كشفته لك ولهم في اكثر من مناسبة خرائية



– ها أني أعودة الى الرائحة القديمة ...



قال لي مرة رجل عجوز مصاب بالبواسير : الواقع هو قوتنا يابني ، ولا تهم الطريقة التي ستكتب بها عن هذا الواقع. ثم واصل العجوز ترديد كلمة يابني... يابني ... يابني ، وهو يبتعد كي يختفي الى الابد.



لم تكن هناك اي علاقة بين بواسير العجوز و ماقاله عن الواقع. لكنني شعرت حينها بأني ـ نيوتن ـ الذي وجدها. شكرت الرجل على هذه النصيحة ورجعت الى البيت وأنا أعدو وأتصبب عرقا ، جلست الى الطاولة وإتخذت قراري : أن أكتب طوال حياتي بهذا الاسلوب : أن يكون الواقع طعامي و لا احتاج إلا الى أسنان من حجر ومعدة قوية ومخرج ضيق للشعور بقيمة ما يخرج. هل فهمتم يا أصدقائي ؟ أنا لا أفعل شيئا سوى هضم طعامي جيدا. أنا بريء! وكل هذا الخراء هو ثمار الواقع. وأنتم قد لا تأكلون بل تعيشون على الهواء فقط...



•••



- عن أي قضية تدافع هذه الايام؟



ـ عن النوم.



- لماذا؟!



ـ حين ينام الاحياء يشعر الاموات موقتا بالعدالة.



- لكنك مصاب بالأرق!



ـ لكي أثبت تفوقي على الاموات.



- متى ستتوقف عن الكتابة؟



ـ حين أنام.



- يمكنك أن تستعين بعلاج من طبيب.



ـ لا، هذا تزوير للسلام.



- تتحدث عن السلام، لكن عن أي حرب تتحدث هذه المرة؟!



ـ أكيد، إنه قتال مرعب.



- تقصد ضد الحياة أم الى جانب النوم؟



ـ الى جانب الحلم أيضا.



- لا أفهم!



ـ الحلم هو دودة في دماغ النائم، وتختلف عن الدودة في جمجمة الميت بقضية العدالة. الاولى تريد أن تفك شيفرة. والثانية تريد أن تثبت عبث محاولة الاولى، لهذا فكل انسان هو من برج الميزان. عاطفي، أحمق، رخيص، قبضة هواء.



- الا تعترف بأنك تناقض نفسك كثيرا في كل ما تقوله وتشعر به؟



ـ استخدام كلمة تناقض يدل على تفاهة صحافي طائش مثلك. هل تريد إلزامي أن أعيش مثل تمثال حجري وسط ساحة عامة؟ حتى كومة الحجر هذه، تملّ وتتعب وتغيّر لونها وتشحب، وحين يعيدون طلاءها يتحقق المزيد من السخرية، ورغم أن الزمن سيمدّ لسانه على الدوام في مؤخراتهم، كلما حاولوا الضحك بسبب أو من دونه.



- حسنا ، اخبرني لِمَ ترتاد معارض الرسم في الليل والنهار؟



ـ بحثاً عن الطريقة التي سأموت فيها. كدت أُقتل أثناء هربي عبر حقل عند حدود بلادي كان نسخة طبق الأصل لحقل فان غوغ. وقبل أسبوع عثرت في لوحة على مجموعة من الألوان تشبه ورما سرطانيا ينتفخ في قلبي. أؤكد لك مرة أخرى أن الرسم مثل الحلم، نبوءات مشفّرة.



- ما هو جديدك؟



ـ كلمة جديد تذكّرني بحاضنات الاطفال في المستشفى، المواليد الطرية التي ستلتحق في نهاية المطاف بالمقبرة القديمة. مع ذلك أنا أكتب في رواية تاريخية تتحدث عن سيرة الناس الذين تغوّطوا في سراويلهم من شدة الفزع، حدث لي هذا أكثر من مرة. لا أقصد هنا أيَّ رموز في هذا الكتاب.اعني بول وخراء طازج يدفعه الرعب الى الخارج.



- يبدو أنك ضجر جدا. ـ شكرا لك على هذا الاطراء الذي لا أستحقه.



- كلمة أخيرة منك.



ـ خراء.

مياه العميان






تلقيت قبل ايام رسالة من كاتب منزعج يشرح لي طرق الكتابة المعاصرة بنبرة دينية. أظن أن قلب الرجل يتفطر وجعا على طريقة كتابتي المنوية. خمنت ايضا انه من الكتاب المسالمين الذي يكتبون من اجل الدخول الى اكاديمية الكتابة العربية النظيفة. النقية. المهروسة جيدا في مطحنة النحو. اظن ان الرجل حارس لغة مخلص وذو نية شريفة. لا ادري كيف سيكون حال اللغة وبقية الابقار المقدسة من دون هؤلاء الكتاب. اعتقد انه لو تركت الامور لكتاب على شاكلتي، لحلبوا البقرة حتى اخر قطرة وذبحوها في منتصف الظهيرة على مرأى العبيد. ما ازعجني حقا في رسالته نبرته التطبيبية ، إذ ماعلاقة جروح البلاد التي تطرق اليها في رسالته بما اكتب. ثم من قال له انني اكتب من اجل انقاذ حياتي. افضل ان استمني من دون إنقطاع على ان اداوي حياتي بالكتابة. انا اكتب عن حقد فحسب يارجل. ثم هل يمكن لكحال مسكين ان يشفيني. الله يرحمك يا ابن زكريا الرازي ! ابن القحبة منصور السماني اساء معاملته بوقاحة لا تغتفر. أمر بضرب الرازي بكتابه الى أن يتحطم رأسه أو يتحطم الكتاب. فالرازي المسكين فشل في بعض ابحاثه الكيميائية التي طلبها منه السماني. ظلوا يضربونه الى ان فقد بصره. و حاول ( كحال ) مثل اخينا صاحب الرسالة مداواته. جلب بعض الادوية لمعالجة بصر الرازي. غير أن أبا بكر بن زكريا سأل الكحال قبل أن يوافق على مداواته ، عن طبقات العيون. أجاب الكحال انه لايعرف شيئا عن هذه الطبقات. اجابه الرازي بحزن : انه يفضل ان يفقد بصره على ان يداويه كحال لا يعرف عن أنسجة العيون شيئا. أنا اعرف ان غضبي من رسالتك سيحشرني معك في واجهة الغرور الزجاجية نفسها. لافائدة من الصراخ في القصائد : انا صرصار ، لتحقير الذات بذريعة التواضع. كل من يريد ذلك ما عليه الا ان يفيق ممسوخا ويتدبر مأزق يومه مثل المرعوب كافكا. صدقني يمكنني ان اتفهم الحكمة الأمومية التي غلفت نبرتك في الرسالة يا صديقي. اعتذر منك حقا. لم اقصد السخرية. انت تعرف مثلي جيدا هذه الحكاية المكرورة : رجل تجاوز العقد الثالث من عمره يظن انه امسك بجوهر اليأس. واخر في منتصف الرابع يضحك منه. ومن في الطابق الخامس يسخر من الرجل في الرابع وهو يبصق ويتمتم : اليأس دمٌ يطوف في دمي. أما الرجل الذي هو في السادس فيكتفي بهز يده على ما يتوهمه هؤلاء الرجال . وهكذا كلما صعدنا السلم زاد اعجابنا بانفسنا كحكماء ومعلمين. صبي في العاشرة من عمره هو اليأس بعينه. الفارق الوحيد بين الرجال وهذا الصبي الجميل هو نهر الموت. الرجال يغرقون بينما الصبي تلميذ مازال يقرأ فيه. سمكة مازال النهر مدرستها. لا ادري ان كنت تعرف الكثير عن عالم الاسماك. حسب مافهمت انك مشغول هذه الايام بكتابة قصيدة ستثبت فيها إعجاز اللغة العربية ، وقرب وسادتك تنام المعاجم السمكية. الله في عونك. لكن السمكة في الطبق الذي امامك تهمني أكثر. ارجوك ، تاكد من ان السمكة ليست من جنس ( سمك الرئة ). هذه الاسماك تنحدر اصولها من ماقبل التاريخ. لك أن تعرف بأني أحسد هذا السمك على ارادته الشعرية. تخيل انه قادر على التنفس حتى حين تجف البحيرة. يختبئ في الوحل ويظل حيا الى ان ينزل المطر مرة اخرى. اعتقد ان الانسان لايختلف كثيرا عنه في القدرة على التمرغ في الوحول من اجل حفنة هواء قادمة. لا اتفق معك كثيرا في هذه المسألة. فحركة الانسان الدفاعية تخلو من الزهد والتنسيق. إنها مجرد حركة عشوائية ـ دموية. وفي كثير من الأحيان لاتتعدى حقيقة وسائلنا الدفاعية حدود رغباتنا الدفينة في الانتقام.
تقول : لماذا لا تصطدم السمكة الملونة بجدار حوض الزجاج الذي نربيها فيه رغم انها لا تبصر !
إبتسمت: انها في هذه الحالة اقرب الى الخفاش. لهذا النوع من السمك حبل عصبي يمتد من الدماغ عبر فقرات الظهر. بعدها تتفرع هذه الاعصاب على جدران الجسم الى نقاط حساسة تشكل فيما بعد مايسمى بالخط الجانبي. من خلال هذ الخط يمكن للسمك ان يلتقط الذبذبات في الماء ولذلك لا يصطدم بأيّ شيء. أطفأت المصباح وأردت ان اعثر على نفسي في الظلام لكنني بالطبع ارتطمت بالحائط. فأنت سمكة غير مجهزة ببوصلة. أضاف قائلا بصوت محرج : ماقيمة النظر اذا كنا نعيش محكومين الى الأبد في نفق عالم مظلم ! حسنا ، الجواب عند سمكة اخرى. ستجيبك هذه المرة سمكة صغيرة بكل صراحة. انها سمكة الكهوف التي تنتشر بكثرة في المكسيك. فحين تولد، وفي مرحلة الطفولة بالتحديد يكون لها عينان طبيعيتان ثم ينمو الجلد حتى يغطي العينين. وعند البلوغ تصاب بالعمى. في الحقيقة هي لا تكترث بالجلد الذي ينمو ولا بالعمى، فما جدوى الابصار إن كانت تعيش طوال حياتها في كهوف البحر المظلمة. هي تعوض عن ذلك بقدرتها على الشم والذوق تماما كما عاش بورخيس السمكة. غالبما يمكن تصنيف قوة النظر عند الاسماك المبصرة وفق طعامها . فالسمك الذي يتغذى على النبات يكون نظره ضعيفا جدا. اما المفترس فيكون نظره بالغ القوة. وهذا الامر ينطبق على التباينات في نظر الكتاب. اطفأت سيجارتي على الحائط وأضفت : عالم كـأنه زريبة ! لاادري لم لااعثر في كل مرة سوى على هذا الحائط امامي. وبورخس اصابه الهلع بسبب توغله في كهوف المكتبة. لقد تعرف على الكثير من هيئات النور والظلام ، وكلها لا تطاق. لجأ الى اللعب واستغنى عن فكرة ان يكون قرش بحر أو روائيا. بصقت على الحائط من جديد ، قبل ان اخرج واترك الباب مفتوحا. وهذه من عاداتي الدرامية. الباب المفتوح والبصاق.
والآن لنعد الى المعجم الذي بين يديك. لاتنزعج بسرعة ، ارجوك ، فأنا اشك ايضا في امر هذا المعجم. أكيد أن هناك مئات الطبعات الجديدة والعتيقة من المعاجم المطرزة بالتراب. يستعين بها الكثير من المحتاجين والفضولين والقتلة لتفسير اقصر وادق السبل. لكنها لا تعدو كونها طبعات مزيفة منسوخة. كل معجم لا يشيد من طبقات المياه البركانية، هو كتاب يدعي اكثر مما يفسر. والمعجم الاعظم هو الذي لايفسر بل يضاعف اللهفة كما تعرف. المعجم احجية سحرية للحفاظ على اللذة ودوار الرأس. مثلا لايمكن الايمان بتفاسير الغرق المتوارثة. يغرق القراصنة حين تثقب سفنهم بمدفعية قراصنة آخرين. ويغرق السمك حين تكتم انفاسه بشباك الصيادين. الداخل الى البحر يغرق، والخارج منه يغرق أيضا. وهنا يكون كل حديث عن النجاة أحتيالا تقوم به المعاجم الدينية. وكل حديث عن الغرق ومغزاه ليس إلامحاولة مكرورة ومقرفة تقوم بها معاجم الفلسفة. يبقى لدينا الشعراء وهم الأكثر دجلا في الحكاية. فهمُّ الأول ، والأخير هو المعجم بحد ذاته. هم يتبارون بالطبعات فيما بينهم ولا يتوانون عن قتل كل مايصادفهم من اجل طبعة جديدة. أكيد أن القشة تبقى الأمل الاخير وحركة شعرية خالية من المراوغة ، إنها الوهم والحقيقة ، القشة جملة مائية من ألف صفحة وصفحة !
أبدل الطقس فكرته فجأة. ظهرت الشمس وبقيت الشوارع مبللة بأمطار الصباح الغزيرة . تسارعت حركة الناس قليلا وزادت السيارات من سرعتها. فكرت ُ : يمكنك الآن ان تعثر على من يبتسم من دون سبب. امرأة عجوز أغلقت مظلتها بعد ان مدت يدها اكثر من مرة خارج المظلة للتأكد من أن المطر قد كف عن الهطول. الحياة من واجهة المقهى الزجاجية تبدو اقل عدائية، وكأنها تسير حسب الخطة المتواضعة التي رسمت لها، قانعة راضية. توقف شاب يغطي عينيه بقبعة كبيرة وهو يتلفت وكأنه فقد شيئا. نقل الحقيبة من يده الى ظهره ثم خرج مسرعا من اطار واجهة المقهى صوب اليمين. مياه الأمطار تنزل عند حافة الرصيف حاملة معها نفايات الناس الى الاسفل. غيمة عملاقة بدأت تنزاح و أعطت للشمس مساحة اكبر. لم نر الشمس في السماء. راقبنا اشعتها وهي تنتشر ببطء في زجاج نوافذ تلك البناية العالية. بعدها بأطول من ساعة لم يحدث اكثر مما يمكنك ان تتوقعه ان يحدث حين تراقب الحياة من واجهة مقهى. مع ذلك فقد حدث قتال خاطف في الداخل انتهى بسفك دماء بشعة ذات رائحة كريهة ومقززة ، شبيهة برائحة دم الولادة الذي يصبغ رأس الوليد. طلبت علبة سجائر وكوب قهوة آخر. أردت ان امد الداخل بأكبر قدر ممكن من دخان السجائر. خشيت ان تنتهي العلبة اثناء القتال ( وبين احساسين ضاربين في القدم ). كنت معلقا بين اليأس والهلع. حينها كانت السماء تمطر بحقد. اخذ الداخل يغرق لكن المياه لم تصل رأسي. وفي عين رسام سوريالي يكون الرأس على رقبة نعامة. الرقبة تدور فوق سطح المياه مثل عين الغواصات الحربية باحثة عن نقطة ضوء. عن بصيص امل...
مرت ثلاث ساعات.راقبت عودة ظلال الغيوم الى نوافذ البناية العالية. رجل قميء القامة مدّ يده ليتأكد من سقوط أولى قطرات المطر. فتح مظلته وسار متجهما. عادت الحركة الى الوراء مرة اخرى. مطر. مطر. حقد . مطر. رقبة النعامة أخذت تسير بحذر وحيدة على الرصيف بخطوات رجل اعمى. لا... لا ، لم انشغل عنك يا صديقي. كل مافي الامر انني نزلت الى المقهى للكتابة اليك. لكنها كما ترى امطرت من جديد. لقد تأخر الوقت. ساكتب إليك هذه الليلة. لكن قل لي اين انتهينا ! اظن انني كنت احدثك عن طير عملاق عجيب. نعم ، تذكرت. هو طائر ضخم الجثة يسمى بالعربية : ( الصخاب ). يبلغ طول جناحيه خمسة عشر قدما ، وله صوت قوي مثل نفير يوم الحساب. إنه طائر حالم ومرعوب أيضا. قادر على الطيران ساعات طويلة دون توقف. ويقال انه ينام أثناء طيرانه. وعلم النفس يجد حالة هذا الطائر موازية لحالات المصابين بالفصام لكنهم لم يجزموا بذلك فمازال هناك متسع من الوقت قبل التأكد مما يعانيه الانسان بالتحديد قبل التوغل في اسرار طائر البحر. نحن بحاجة الى المزيد من المختبرات. عليهم ان يتوقفوا عن اجراء الاختبارات على الفئران وإلا سيفوت الأوان. علينا ان نشرع في تجارب مختبرية بطريقة مباشرة على الحيوانات من فصيلة البشر. علينا ان نعرف انفسنا قبل ان تلتهمنا الكارثة التي سنتخيلها ونسببها نحن لانفسنا. هناك حاجة الى المزيد من المتطوعين ، للوصول الى منابع الورم الانساني. هناك حاجة ملحة اليوم الى جنود فئران. ولاضير من جر الناس عنوة الى المختبر ومثل هذا الطفل الذي يركض في الحديقة العامة. يمكن ان تلخص حكاية التحليق بطريقة واقعية اذ ما فحص ريش الطفل بمجهر محايد. اقصد من دون شفقة أو تردد ! اما طائر البوم فعثرت على احد اجمل انواعه في كتاب الامتاع والمؤانسة. إذن اصغ الي : في ليلته العاشرة يصف ابو حيان التوحيدي في كتابه الرائع هذا ، طائر البوم كما لو أنه يلخص حياتي :
( البوم : مأوآه ومحله الخراب، يوافقه الليل، لانه بالليل بصير وبالنهار كليل، مع حبه للتوحد والخلوة بنفسه ، وبينه وبين الغربان عداوة ٌ ما تنقضي ).
أنا ادعي النسيان خوفا على ماتبقى مني. الساعة هي بلا حراك منذ الثانية عشرة وخمس دقائق.رغم ان ضوء الفجر يتمازج ببطء في زجاج النافذة المتسخ. ربما توقفت الساعة نهار البارحة او ليلا قبل يومين او قبل ان تمرض. في الثانية والثلاثين من عمري ارقد في هذه اللحظة وحيدا في شقة صغيرة بعيدة كل البعد عن الاشخاص الذين مازالوا يتذكرونني. في الصورة التي تلطخت بالمني، امرأة زنجية عارية ، تفرك بظرها بأصبعها وتفتح فمها مثل سمكة مرعوبة. غسلت زبي ، ثم عدت الى السرير، وبيني وبين الماضي عداوة ماتنقضي. في الثالثة والثلاثين. فجرا. في الثانية عشرة وخمس دقائق على الحائط. الان. استلقي وحيدا. اكتب قصيدة خالية من الشعر. اكتب هيكلها العظمي. اخرج المني لئلا يفسد،. اعد فطوري. بيضة غراب وقهوة. الشمس تصعد. ظلام يهبط. اين انت. انا لااراك. اشاهد في المرآة سمكة قرش تستلقي في السرير. اظنها تنام في مكاني ، ياللوقاحة ! ساكتب إليك غدا ، حين اشتري لزمن الحائط بطارية جديدة ، وللنهر سمكة ستنزل فيه مرتين. هل ستصدق هذا الشيء أم أنك ستتهمني بالجنون هذا المتاع الإحتياطي في حياتي ؟ تحيتي وكن أكثر حكمة من السمك و الأنواع الأخرى من مملكة الحيوان.

شكو ماكو




شكو ماكو؟
ذراع هنا ولطم هناك

شكو ماكو ؟
دم هنا وبرتقال هناك

شكو ماكو ....
كان نعشه خفيفا فوق الأكتاف. وكان بأمكان الريح حمله كقشة الى النهر. لكنهم سافروا به الى مقبرة النجف. لم يكن في النعش سوى ذراعه اليمنى الموشومة بقلب حب يخترقه سهم كبير. هذا ماتبقى منه حين انفجرت السيارة في السوق. كان البائع يملأ له الكيس بكيلو من البرتقال. بائع الفاكهة تدحرج رأسه مع الرمان. كفنوا ذراع الرجل ودفنوها هنا في التراب. في الليل وضع الدود خطة محكمة لأكل قلب الحب من دون أن يغصّ بالسهم. تحدثت في البدء دودة معمّمة عن عظمة الايمان بالله. ثم ألقت دودة شاعرة قصيدة مديح عن التراب والعدم. ثم تقدمت دودة لها شهادة عالمية في الطهي وجاءت بالسلطات. دودة بعيدة عن البيت، تقتات من الغربة، كتبت مقالا حماسيا تتهم فيه الدود بالخيانة وتغنت بالدود - المقاومة. وأكل الدود طوال أسابيع معتمة بانتظام واخلاص. وفي الأخير نزلت الملائكة ولم تعثر كالمعتاد على شئ. دوّن الملاك الطيب: هنا رائحة برتقال. أما الملاك الشرير فكتب : هذا هو إبنك الانسان.


شكو ماكو ؟
يجب بناء المزيد من المحاكم بدل طباعة الصحف
مع أن العدالة سلحفاة مصابة بالشلل النصفي

شكو ماكو ؟
صحيح أن الكتابة ليست قطنا طبيا
لكنها بصمة قد يستخدمها المحققون بعد ألف عام
يمكن لهم ان يكتشفوا الرائحة في الحلم أو يصلوا الى دليل أساسي في قضية الانسان.

شكو ماكو ؟
حين اقول إني تحوّلت ـ ليلة أمس ـ الى زرافة ، لا أحد يصدقني
لكنهم يصدقون جميعا أن رأس طفل ـ هذا الصباح ـ طار محترقا من هنا الى هناك

شكو ماكو؟
وضعنا في المتحف عظام الديناصور وطاسة ماء حجرية مفطورة
ولم نضع الكراهية ولا الرعب في صندوق زجاجي للفرجة وإلتقاط الصور

شكو ماكو؟
المسرحية عنوانها العاصفة
والممثل هو طفل عار.
لقد مللنا من التصفيق والتبول في سراويلنا ...

شكو ماكو؟
ماكو شي ... سوى دم و صراخ ...

ذئب الحراسة






ينظرون إليّ في بار يعج بالسكارى بعد منتصف الليل، ينظرون إلى الدفتر الصغير الذي أكتب فيه عنك ايها الطفل ، ينظرون بغموض وتهكم ، ينظرون وكأنهم لم يسمعوا من قبل بمهنة: حارس.

لا أعرف أي قيمة للمكان،
أقدر الزمن، الذي هو البيت والزلزال
بينما تعشق انت الأسرة والدروب
أكتب من اجلك، أيها الطفل المريض
أزرع شوكة في ابهامي وأكتب
عن اصفرار بياض عينيك
أنت هرم جدا ايها الطفل
اعرف الحكاية: ريشة ، ريشة
هويتَ من السماء ممزقا من دون ذنب
لكنك أيها الطفل بدم يثير الشبهات
أيها الخاوي، يا كبد الأرض التالف
أنت يامن تنتظر عند الغروب بوق النهاية
أكتب عن السكاكين بدل المفاتيح

ـ باب مغلق، هو تعريف الوجود.

اقتفي، يا طفلا، آثار قدميك
بيدي أحمل شمعدانا وأدخل صالة النوم
أبحث عنك وسط أحراش الكابوس
ثمرة فارغة ، زهرة مقطوعة العنق
وهاهي أصابعك الماكرة من جديد
أنت قريب جدا من السعادة : في بعد تلك النجمة
أنا أعرف الغفران، لكني بإنتظار الزلة القادمة
مثل القتلة، أنتظر بمتعة وترقب، وإصبعي على الزناد
ايها الطفل الشرير...
أكتب عن الشجرة التي تسرقها
عن النهر الذي تلوثه
أكتب عن الغموض، لأنك حجر في بنيانه
أكتب من اجل أن تصمت
يا دمية الزمن التي أنتصبُ عند مهدها
أعوي من أجلك يا قبر الدود
أتنكر بزي راهب وأكتب عن مخالبي التي تشم خطواتك
سيطلع الفجر بعد قليل ،
سيعثرون على دليل آخر كي يكرهوا الشعر
سيعثرون على أنيابي مغروسة في رقبتك المكسورة مثل غصن يابس
ايها الطفل المسكين، يا ابن الخراف الوديعة
أفتحُ احشاءك على قارعة الطريق
لا تنزف ، لا تندم ، لا تبكي
لا تخجل ، لا تغضب ، لا تحزن
أكتب لك من اجل ان تبتسم
بل اضحكْ. انقلبْ على ظهرك واضحكْ
إرفسْ الهواء بساقيك وانت ترتعش
إرفسْ السماء ، ارفسْ الأشباح التي تخرج مما اكتبه لك
إرفسْ وأنا امضغ في جيفة لحمك
متْ ايها الطفل اليائس
متْ وأنت تحدق برعب
متْ، فهم قد خدعوك

هم ينظرون إليّ في شارع يعج بالاطفال، ينظرون الى قلادة الاوراق الذابلة حول عنقي، ينظرون ساخرين، متقززين، ينظرون الى دمك وهو يقطر من فمي. ينظرون وكأنهم لم يسمعوا من قبل : ذئب حراسة.

هلسنكي ، آب 2007

غناء شخصية كارتونية




ـ يمكن تلحين المقاطع الغنائية فقط اثناء القراءة


ـ بحشائش أو أغصان صغيرة يستر الصيادون قبعاتهم ثم يختبأون خلف الأشجار كي يطلقوا موتهم الخاص. الموت الآخر لايفعل ذلك، هو يتجول عاريا في المدينة وفي يده كيس زبالة. يرددون بعد الجاحظ أن الأفكار ملقاة على قارعة الطريق. أما أنا فعثرت على حجر غريب له شكل قلب حيوان مذبوح. أخذت أحمل الحجر وأصفر لحنا يقول :

تعال يا كناس العراة ، تعال وشدّ شعري من الحاوية ، تعال ....

أراقب سيارة أسعاف مسرعة. أنا في الطريق الى حلاق الروؤس. الأحمر والأصفر والأحضر ثلاثة عيون في رأس العمود. ثلاثة ألوان يمكن أن ُترسم الشمس فيها وهي تزرع الحديقة بالنور. لكن الأصفر هو عندنا لون التردد والمرض والجنون. أجتاز خطوط العبور، مثل تلميذ كسول. ويقولون أن الرجل هو الأسلوب. الأحمر هو لون الحب ومرات كثيرة هو لون الكراهية.، ثم أفكر بأسلوب الموت وإن كان هو أنثى. الحجر طفل بثوب أخضر عند حافة النهر. أضع صورة الطفل في جيبي وأصفر : الحياة يا حياة يا حياء الميت يا أحياء...

في المرآة يبلل الحلاق رأسي برذاذ الماء.أشعر بدغدغة أفكاري. ويقولون أن القصائد مجرد كائنات تحتضر. يتحدثون في قاعة مغلقة عن نهاية الشعر. وفي الصحف عن موته. يقولون أنه عصر الرواية والسينما. سيندمون بعد قليل ويطالبون بكتابة شهادة وفاة للسينما والرواية. سيقولون من جديد إنه عصر العبث، وإننا بحاجة الى أن نقرأ القصائد على سطح القمر كيلا يَجْمُد الأمل. الحجر يغني فوق سطح القمر: يا نور يا أرض يا عينيي يا ثور السماء يا ثور ..

أضعُ وصايا صفراء ، فأنا اصلع ولن يجد الحلاق شعرة واحدة في رأسي .

يبتسم المقص وهو يغني : الحياة حلوة بس نفهمها...

ـ تناول الطفل دواء أبيه فتسمم ورحل ـ لا تثقوا بالأباء

ـ شعرة في الحساء تركته يتقيأ ـ لا تدفعوا الحساب

ـ ُفقئت عينه في شجار بين رجلين ـ تخلوا عن فكرة السلام

ـ ُقتل جاره فأتهموه زورا ـ إذن كونوا قتلة بدل ان تكونوا ضحايا

ـ خرج بقميص صيفي عاد بمظلة مطرية ـ أضحكوا من الله

المهم أن تقفوا على أهبة الأستعداد. أرتدوا الأقنعة الواقية. احذروا من قضية الانسان الذي دخل جسد الحيوان الى الابد. مع السلامة. تحياتي. سجين يصفر في زنزانته : حتى الظلام ... أجمل في بلادي ... يحتضن ...

صدريات القصابين ملطخة بالدم.

هم رجال مفتولو العضلات.

لكن الموت ليس كذلك.

الموت رشيق وعار ونظيف وفي يده حقنة طبية كما أنه لايغش في الوزن.

عامل نظافة يغني عاريا :

أكنسكم يا عراة...

أكنسكم يا جبناء..

أكنسكم يا زبل الحياة ...

يا يا يا ليل يا ليل يا ليل المقبرة يا ليل ...

لهذا كله طلبت من الحلاق أن يضع على رأسي باروكة غوريلا ...